الروح القدس والتدرج من حياة الخطية إلى حياة القداسة (2) – الأب متى المسكين

الروح القدس والتدرج من حياة الخطية إلى حياة القداسة (2)

الأب متى المسكين

matta el maskine10aونلخص درجات عمل الروح القدس هكذا:

(أ) بدون عمل الروح القدس يشرب الإنسان الخطيئة كالماء دون أي صراع أو نزاع أو إحساس باللوم أو الندم. إذ يكون مقياس الصلاح (الوصية) والهاتف الداعي إليه غير موجود.

(ب) يبدأ الروح القدس عمله بطرح الوصية أمام ذهن الإنسان كمقياس إلهي وكرسول يطالب بحق الله!! فيبدأ في الحال الصراع بين الذهن القابل لهاتف الصلاح وبين الخطيئة الرابضة في الأعضاء كالحية يحركها الشيطان ويتحرك بها. حيث الصراع هنا يتم داخل الإنسان بين الذهن (إو العقل أو القلب أو الضمير) وبين الجسد. حيث يستريح في الذهن نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ كما يستريح في الجسد نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ!!.

(ج) يزداد عمل الروح القدس بمقدار قبول الذهن له وطاعته لمشورته حيث تزداد حدة الصراع, ولكن كلما ازداد الصراع كان ذلك برهاناً أو مقياساً لفاعلية الروح القدس المتزايدة حيث يكون هدف الروح هو الوصول إلى القناعة الأكيدة بشناعة الخطية.

 (د) إذا بلغ الذهن إلى القناعة الكلية بشناعة الخطية وخطرها الأكيد, يكون هذا معناه أن الذهن انحاز لناموس الروح القدس, وهذا بذاته هو حالة تقديس للذهن.

(هـ) تقديس الذهن لا يبقى بدون عمل, إذ بمجرد أن يتحرر الذهن من ناموس الخطية ويتقدس بالروح القدس, ترتفع القدرة القتالية للإرادة بيقين المعرفة الصالحة للذهن لمواجهة الخطية الرابضة في الجسد والمتحركة بفعل الشهوة التي يلهبها الشيطان بنوع من الخداع والتهويل الكاذب.

(و) بدء غلبة الإرادة على حركة الخطية وإيحاءاتها الشهوانية المخادعة, هو هو بدء حياة البر أو التقوى أو القداسة.

(ز) هذا الصراع القائم في أساسه بين ناموس الروح القدس في الذهن وبين ناموس الخطية والموت في الجسد لا يكفُّ ولا ينتهي قط طالما الجسد ينبض بالحياة, بل هو دائماً أبداً على أعلى مستوى من الأستعداد للتأجج في الإنسان الذي يجاهد في السيرة المقدسة, تارة يرتفع إلى أقصى درجة من الحرارة حيث يرتفع الذهن إلى أعلى درجة من القداسة, وتارة يهدأ عندما تسود النعمة وتملك فتحل محل الصراع إلى حين.

(ح) ولكن مجرد القناعة الذهنية بشناعة الخطية وضررها المفسد والمهلك لا يبرر الإنسان, ولكن يبرره الله وحده. حيث يتضح أن الله هو وحده القدوس! ولكن معلوم أن بر المسيح نضح علينا, فالمسيح برر الخطاة بسفك دمه الكفاري!

إذن, فالوصول إلى قناعة الذهن بشناعة الخطية والإيقان ببر المسيح وتبريره هو بحد ذاته منفذ عملي للدخول في حياة البر أو حياة القداسة.

والآن نشرح هذا بمعنى آخر:

(ط) إن موت المسيح الكفاري بسفك دمه عن الخطاة دان الخطية وأنهى على سلطانها القتال للناس!  إذن فالوصول إلى القناعة الذهنية بشناعة الخطية ويالتالي رفضها ذهنياً هو هو الخروج العملي من تحت دينونتها الرهيبة, وهذا إنما يكون حتماً من فعل الروح القدس ودم المسيح: “2 لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ!! (رو 2:8).

 (ي) إذن فازدياد الذهن والضمير احساساً بالخطيئة وفعلها المدمر لحياة الإنسان وخلاصه, حتى ولو لم يكن الإنسان قد بدأ في حياة القداسة كما ينبغي, هذا لا يجب أن يوصلنا إلى يأس, لأنه في الواقع لا يوصلنا إلى الوقوع تحت دينونة الخطية بل بالعكس فهو يخرجنا من تحت دينونة الخطية!! لأن جحد الخطيئة والشيطان في الذهن وفي الضمير عن صدق وقناعة كاملة هو بحد ذاته فعل من أفعال الروح القدس وهو ناتج أصلاً من فعل تبرير المسيح للخطاة بدمه, وبدينونته للخطية والشيطان على الصليب, وهذا ما يفعله المعمَّد قبل أن يبدأ حياة الإيمان المسيحي العملي.

إذن فكل مرة نجحد فيها الخطيئة والشيطان في الذهن, أي في القلب, عن صدق وإخلاص وقناعة روحية كاملة, هذا بحد ذاته تمسُّكٌ ببر المسيح وإعلان إيمان صحيح, وهو كفيل أن يهييء لنا بداية جديدة لحياة القداسة ودفعاً جديداً لممارسة القداسة عملياً! …

 (ك) ولكن بدون حياة القداسة, أي بدون الإنتقال من القناعة الذهنية بشناعة الخطية إلى قتال الإرادة الفعلي ضد الخطيئة العاملة في الجسد بالأهواء وغرور الشهوات, يبقى بر المسيح بلا ثمرة فينا, ولا يكون له في حياتنا شهادة, بل يبقى مجرد وثيقة في يدنا قابلة للصرف, ولكن لم تُصرف بعد للأنتفاع بها.

لأنه لا يمكن أن يُستعلن بر المسيح في الذهن فقط, إذا يتحتم أن ينتقل إلى حياة القداسة وغلبة الخطية أولاً بأول. كما يستحيل أن يوجد خلاص في حياة الخطية.

(ل) لذلك فإن عمل الروح القدس في الإنسان الذي يظهر كصراع ذهني ضد ناموس الخطية الرابض في الأعضاء يتحتم أن يزداد ويزداد حتى ينتقل الذهن من القناعة بشناعة الخطية (التى هي حالة قداسة فكرية) إلى إشعال الإرادة نفسها بالقداسة بالفعل. وهكذا تنتقل القداسة من الذهن إلى الإرادة الفعلية, وبالتالي إلى الجسد فيسود الروح القدس على الإنسان كما في الذهن كذلك في الجسد والأعضاء جميعاً.

(م) وهكذا يظل بر المسيح متعلقاً أساساً بتخلُّصنا من ناموس الخطية العامل في الأعضاء!

(ن) هنا يلزمنا جداً أن نعلم أن علاقتنا الدائمة الشخصية بالمسيح بالحب الصادق من خلال إيحاءات الروح القدس المستمرة هي الأساس القوي جداً للأنتصار على ناموس الخطية مهما كان سلطانه: “24 وَلكِنَّ الَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ. (غل 24:5), هنا كلمة لِلْمَسِيحِ تفيد علاقة قريبة شديدة متصلة أتصالاً مستمراً لا يكل ولا يمل.

حيث معروف أن أتحادنا بالمسيح الآن, هو أتحاد بالمسيح القائم من الأموات المعطي الروح القدس بالنفخة السرية من خلال كل أسرار الكنيسة “17 إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ (2كو 17:5).

(هـ) فإذا قارنَّا في الختام بين ناموس الخطية وناموس روح الحياة, أكتشفنا مقدار الهوة المريعة بين الخديعة التي ننساق إليها إذا أخترنا لأنفسنا الخطية, وبين أصالة الحق والنور الذي سنسير فيه إذا أخترنا الروح القدس وسمعنا صوته ولم نقسي القلب.

فناموس الخطية والموت قانون صارم مستبد شرس, بلا عقل أو حكمة أو أية منفعة, ناموس أعمى لا معنى له ولا غاية إلا الموت والهلاك الذي شبهه الرسول بسريان النجوم التائهة في فلك الفضاء وهي تحترق وتتلاشى, أو الغيوم التي يسوقها النوء بلا أي نظام, أو سقوط أوراق الخريف كيفما كان فتذريها الريح عن وجه الأرض ولا يقر لها قرار. ” 12 هؤُلاَءِ صُخُورٌ فِي وَلاَئِمِكُمُ الْمَحَبِّيَّةِ، صَانِعِينَ وَلاَئِمَ مَعًا بِلاَ خَوْفٍ، رَاعِينَ أَنْفُسَهُمْ. غُيُومٌ بِلاَ مَاءٍ تَحْمِلُهَا الرِّيَاحُ. أَشْجَارٌ خَرِيفِيَّةٌ بِلاَ ثَمَرٍ مَيِّتَةٌ مُضَاعَفًا، مُقْتَلَعَةٌ. 13 أَمْوَاجُ بَحْرٍ هَائِجَةٌ مُزْبِدَةٌ بِخِزْيِهِمْ. نُجُومٌ تَائِهَةٌ مَحْفُوظٌ لَهَا قَتَامُ الظَّلاَمِ إِلَى الأَبَدِ. (يه 13,12).

فإذا تسلط ناموس الخطية على الأعضاء أعمى الذهن وجرَّده شيئاً فشيئاً من إدراك الحق الإلهي, وحقَّر في نظره العفة والقداسة, وقلل من شأن كل فضيلة وكل ما هو لله, فإذا ملك ناموس الخطية على الأعضاء وعلى الذهن أنهى على الإرادة بالتالي وأذلَّها تحت كل سهوة ونجاسة وأستعبد الإنسان كلية.

أما إذا فحصنا ناموس رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ نجده من حيث القوة أقوى من ناموس الخطية وأكثر سيادةُ وسلطاناً, وقد مثله الرب يسوع في إنجيل لوقا الأصحاح الحادي عشر بـ “الرجل الأقوى” فإن كان الشيطان قوياً فالروح القدس أقوى ” 20 وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ بِأَصْبعِ اللهِ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ، فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ. 21 حِينَمَا يَحْفَظُ الْقَوِيُّ دَارَهُ مُتَسَلِّحًا، تَكُونُ أَمْوَالُهُ فِي أَمَانٍ. 22 وَلكِنْ مَتَى جَاءَ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ فَإِنَّهُ يَغْلِبُهُ، وَيَنْزِعُ سِلاَحَهُ الْكَامِلَ الَّذِي اتَّكَلَ عَلَيْهِ، وَيُوَزِّعُ غَنَائِمَهُ. 23 مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ. 24 مَتَى خَرَجَ الرُّوحُ النَّجِسُ مِنَ الإِنْسَانِ، يَجْتَازُ فِي أَمَاكِنَ لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ يَطْلُبُ رَاحَةً، وَإِذْ لاَ يَجِدُ يَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي الَّذِي خَرَجْتُ مِنْهُ. 25 فَيَأْتِي وَيَجِدُهُ مَكْنُوسًا مُزَيَّنًا. 26 ثُمَّ يَذْهَبُ وَيَأْخُذُ سَبْعَةَ أَرْوَاحٍ أُخَرَ أَشَرَّ مِنْهُ، فَتَدْخُلُ وَتَسْكُنُ هُنَاكَ، فَتَصِيرُ أَوَاخِرُ ذلِكَ الإِنْسَانِ أَشَرَّ مِنْ أَوَائِلِهِ!». (لو 20:11-26).

فإن كان ناموس الخطية يُحدر الإنسان إلى ما هو دون الطبيعة حتى ينتهي به إلى الموت فكراً وعملاً, فناموس روح الحياة في المسيح يسوع يرفع الفكر والإرادة والعمل بل وحتى الجسد إلى ما فوق الطبيعة حتى إلى حياة أبدية.

 وإن كان ناموس الخطية يعمل في جو من الظلام على أساس الكذب والخداع والكلام الملق والتصورات المفخمة المهولة المملوءة باللذة المخادعة, حتى يتم إلقاء الشبكة وحينئذ يمد الشيطان يده بسرعة خاطفة ليذبح الفريسة قبل أن تستيقظ, نجد ناموس الروح القدس يعمل في النور على أساس الحق درجة درجة بتروي, وبرهان صدقه فيه, حيث كلما ساد ناموس الروح كلما ساد الإنسان على نفسه وأهوائه وغرائزه, وفاحت من ذهنه وفمه وسلوكه رائحة القداسة, حيث كل خطوة تكون ذات معنى وذات أثر وذات أنسجام أعظم مع النفس ومع الناس والله والكون والخليقة كلها.

 واضح إذن أنه مستحيل على الإنسان أن ينعتق من ناموس الخطية والموت إلا بهذا الناموس الأقوى والأعظم نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.

—————————–

من كتاب “مع الروح القدس في جهادنا اليومي” ـ الأب متى المسكين.

———————-

وللعودة لبداية هذا الموضوع الهام

↓↓ أضغط على الصورة ↓↓

الروح القدس والتدرج من حياة الخطية إلى حياة القداسة (1) – الأب متى المسكين

Comments
  1. مدام كاترين

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات