مجيء المسيح الثاني العادل _ القديس كيرلس الأورشليمي

unknown-artist-the-last-judgement-church-of-the-mother-of-god-of-kazan-togliatti-rf-20011كنت أرى أنه وضعت عروش، وجلس القديم الأيام .. كنت أرى في رؤى الليل، وإذ مع سحب السماء مثل ابن إنسان آتي (دا 7: 9-14).

لسنا نكرز بمجيء واحد للمسيح، بل وبمجيء آخر أيضاً، فيه يكون ممجد جدًا أعظم من الأول. المجيء الأول أظهر لنا صبره، أما الثاني فسوف يحضر معه تاج مملكة الله. لأن تقريبًا كل شيء في ربنا يسوع المسيح مزدوج.

ميلاده مزدوج، مولود من الله قبل كل الدهور، ومولود من العذراء في ملء الزمان.

ونزوله مزدوج، واحد يأتي فيه متواضعاً، مثل المطر على الجزاز (مز 72: 6)، والثاني يأتي بشكل ظاهر مقترن بالقوة.

في مجيئه الأول كان ملفوفًا بقماطات في المذود، وفي ظهوره الثاني يظهر اللابس النور كثوب (مز 104: 2).

في مجيئه الأول احتمل الصليب مستهينًا بالخزي (عب 12: 2)، وفي الثاني يأتي في مجد تحوِّطه جيوش الملائكة.

لا يقف إيماننا عند مجيئه الأول فحسب، وإنما ننتظر مجيئه الثاني أيضًا.

وكما قلنا في مجيئه الأول: مبارك الآتي باسم الرب (مت 21: 9؛ 23: 39). سنهتف من جديد نفس هذا الهتاف في مجيئه الثاني، قائلين مع الملائكة بتعبُّد عندما نقابل الرب: مبارك الآتي باسم الرب“.

إن المخلص سوف يأتي هذه المرة، لا ليُحاكم من جديد، بل ليحاكم الذين حكموا عليه. ذاك الذي كان صامتاً أثناء محاكمته، سوف يُذكِّر أولئك الأشرار بقساوتهم عند الصليب، ويقول لهم: هذه الأشياء صنعتم، وسَكَّت (مز 50: 21).

في تنازله الإلهي، جاء المرة الأولى ساعياً لإكتساب البشر بتعاليمه، ولكن في مجيئه الثاني سوف يقبلونه بالضرورة، ويخضعون له كملك سواء أرادوا أو لم يريدوا.

بخصوص هذين المجيئين، يقول ملاخي النبي: ويأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه، هذا هو المجيء الأول. أما عن مجيئه الثاني، فيقول: وملاك العهد الذي تسرون به، هوذا يأتي قال رب الجنود. ومن يحتمل يوم مجيئه؟! ومن يثبت عند ظهوره؟! لأنه مثل نار الممحص، ومثل أشنان القصَّار، فيجلس ممحصًا ومنقيًا”. بعد هذا مباشرة يقول المخلص نفسه: “واقترب إليكم للحكم، وأكون شاهدًا سريعًا على السحرة وعلى الفاسقين وعلى الحالفين زورًا… (مل 3)

لهذا السبب يحذرنا بولس قائلاً: إن كان أحد يبني على هذا ذهبًا فضة حجارة كريمة خشبًا عشبًا قشًا، فعمل كل واحدٍ سيصير ظاهرًا، لأن اليوم سيبينه، لأنه بنار يُستعلن (1 كو 3:12، 13).

يشير بولس أيضاً للمجيئين حين كتب إلى تيطس قائلاً: ظهرت نعمة الله المخلصة لجميع الناس، معلمة إيانا أن ننكر الفجور والشهوات العالمية، ونعيش بالتعقل والبرّ والتقوى في العالم الحاضر منتظرين الرجاء المبارك، وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح (تى 2: 11-14). ها أنتم ترون كيف يتحدث عن المجيء الأول، الذي من أجله يقدم تشكرات، وعن المجيئ الثاني الذي نطلبه وننتظره. هكذا أعلن بولس نفس الإيمان الذي نعلنه، فنحن نؤمن بالذي صعد إلى السماوات وجلس عن يمين الآب، وأيضًا يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات الذي ليس لملكه انقضاء.

 لنتطلع إلى مجيء الرب من السماء على السحاب ونترقبه، ستصوت الأبواق الملائكية، حينئذ الأموات في المسيح سيقومون أولاً (1 تس 4: 16). وسيُختطف الأبرار الصالحون إلى السماء لينالوا جزاء أعمالهم الصالحة أفضل من الكرامة البشرية. ولقد كتب الرسول بولس: لأن الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس ملائكة وبوق الله ينزل من السماء والأموات في المسيح سيقومون أولاً، ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء، وهكذا نكون كل حين مع الرب (1 تس 4: 16، 17).

…. سيعلن رئيس الملائكة للجميع: قوموا للقاء العريس“. مخيف حقاً هو مجيء مخلصنا، إذ يقول داود: يأتي إلهنا ولا يصمت، نار قدامه تأكل وحوله عاصف جدًا (مز 50: 3). يأتي ابن الإنسان للآب – كما يقول الكتاب –  “على سحب السماء وبالقرب منه نهر نار (دا 7:10)، لاختبار أعمال كل أحدٍ. فإن وُجدت أعمال الشخص ذهبًا تصير أكثر لمعاناً، وإن كانت أعمال الشخص ضعيفة كالقش، سوف يحترق بالنار.

يجلس الآب بلباس أبيض كالثلج، وشعر رأسه كالصوف النقي (دا 7:9). هذا قيل بأسلوب اللغة بشرية. لماذا قيل هذا عنه؟ لأنه يملك على الذين لم يتنجسوا بالخطية، إذ يقول: أجعل خطاياكم بيضاء كالثلج وكالصوف (إش 1:18) إشارة إلى الصفح عن الخطايا أو عدم السقوط في الخطية.

لكن الذي يأتي على السحاب هو نفسه الذي صعد على السحاب، إذ يقول بنفسه: ويبصرون ابن الإنسان آتيًا على سحاب السماء بقوة ومجدٍ عظيمٍ (مت 24:30)

لكن ما هي علامة مجيئه? لمنع المقاوم من التجاسر وتقليدها، يقول: حينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء (مت 24: 30). علامة المسيح الحقيقية الخاصة هي الصليب. فتتقدم أمام الملك علامة الصليب المضيئة، معلنة بوضوح ذاك الذي صُلب. حتى إذ يرى اليهود الذين طعنوه وتآمروا عليه هذه العلامة ينوحون قبيلة فقبيلة (زك 12: 12)، قائلين: هذا هو الذي ضُرب ولُكم. هذا هو الذي بُصق على وجهه. هذا هو الذي قُيِّد بالسلاسل. هذا هو الذي صُلب وكان موضع سخرية.

سيقولون: أين نهرب من وجه غضبك؟ يكونون محاطين بجيوش الملائكة فلا يستطيعون الهروب. علامة الصليب سوف تُرعِّب أعدائه، لكنها سوف تمنح الفرح  لأصدقائه الأمناء الذين كرزوا به أو تألموا من أجله. ما أسعَّد ذلك الإنسان الذي يكون آنذاك صديقًا للمسيح.

هذا الملك الذي ترافقه الملائكة عظيم ومُمجَّد جداً، شريك الآب في عرشه، لن يزدري بخدامه الأمناء. وحتى لا يختلط مختاروه مع أعدائه، “يرسل ملائكته ببوقٍ عظيم الصوت، فيجمعون مختاريه من الأربع رياح (مت 25:34). إنه لم يزدرِ بشخص واحد كلوط، فكيف يزدري بأبرار كثيرين؟! إنه يقول للذين يركبون معه مركبات السحاب وتجمعهم الملائكة: تعالوا إليَّ يا مباركي أبي!

لكن قد يقول أحد الحاضرين: أنا إنسان مسكين، أوقد أكون في ذلك الوقت مريضًا على الفراش، أو أنا امرأة أمام الطاحونة، فهل يتم أهمالي؟! تشجع يا إنسان، فإن الديان لا يحابي الوجوه. لا يقضي بحسب منظر الشخص، ولا حسب كلامه (راجع إش 11: 3). لا يكرم المتعلمين فوق البسطاء، ولا الأغنياء أكثر من المحتاجين. فإن كنتم في الحقول، سوف تأخذكم الملائكة. لا تظنوا أنه يأخذ أصحاب الأراضي، ويترككم أنتم الفلاحين. حتى وإن كنت عبدًا أو فقيرًا لا تقلق. ذاك الذي أخذ شكل العبد (في 2: 7)، فهل يرفض العبيد؟ حتى وإن كنت راقدًا على الفراش، إذ مكتوب: يكون اثنان على فراش واحد، فيؤخذ الواحد ويُترك الآخر (لو 17: 34). حتى وإن كنت مجبراً على العمل في الطاحونة، رجلاً كنت أو امرأة، مكبلاً بجوار طاحونة، فإن الذي بسلطانه أن يحلّ المقيدين لن يتجاوزك. ذاك الذي أعتق يوسف من العبودية وأخرجه من السجن إلى المملكة، سوف يفديك أنت أيضاً من ضيقتك، ويقودك إلى ملكوت السماوات.

تشجع إذاً، ولتعمل ولتجاهد بحماس وغيرة، فإنك لن تفقد شيئًا من جهادك. كل صلاة  تقدمها، كل مزمور تتغنى به يُسجل لك، كل عمل صدقة، كل صوم مسجل لك، كل زواج شرعي وكل عفة وكبح للشهوة من أجل الرب مسجل لك. أول القوائم تأتي أكاليل البتولية والطهارة، سوف يضيئون كالملائكة.

وكما سمعتم بفرح عن الأمور الصالحة، اسمعوا أيضاً بصبر لما هو عكس ذلك. كل طمع يسجل عليكم، كل زنى، كل قسم كاذب، كل تجديف وشعوذة وسرقة وقتل، هذه جميعها تُسجل من الآن عليكم، إذا ارتكبتم بعد العماد الخطايا نفسها، أما التي فعلتموها قبل العماد فقد مُحيت. 

يقولمتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه. تخيل يا إنسان كم الجموع التي سوف تشهد محاكمتك، كل أجناس البشرية سوف تكون حاضرة. أحص عدد أفراد الأمة الرومانية، والقبائل البربرية الموجودة اليوم، والذين انتقلوا من مئات السنين الماضية من آدم إلى يومنا هذا. حقًا إنه لجمع عظيم، إلا أنهم قليلون إن قورنوا بالملائكة الذين هم أكثر بكثير، إذ هم التسعة والتسعون خروفًا والبشرية هي الخروف الواحد (لو 15:4؛ مت 18:12)، لأننا يجب حساب عددهم بحسب إمتداد الفضاء … مكتوب: ألوف ألوف تخدمه، وربوات وقوف قدامه (دا 17: 10)، هو لم يُعبَّر بدقة عن العدد بل لم يستطع أن يعبر أكثر من هذا. هكذا سيكون حاضرًا في يوم الدينونة الله أب الجميع، ويسوع المسيح جالسًا معه، وحاضراً أيضاً الروح القدس، وسيجمعنا كلنا البوق الملائكي، محضرين أعمالنا معنا.

ألا يليق بنا أن نهتم بالأمر؟ لا تظنه أمرًا هينًا أن يكون الحكم أمام جمع عظيم هكذا. أما تختار الموت دفعات كثيرة أفضل من أن تُحاكم في حضرة الأصدقاء؟!

 لنرتع يا إخوة لئلا يديننا الله، الذي لا يحتاج إلى فحصٍ ولا إلى أدلةٍ في المحاكمة. لا تقل إنا ارتكبت زنى بالليل أو استخدمت أعمال السحر ليلاً أو ارتكبت أي شيئ آخر ولم يكن هناك أحد. فإن ضمائركم تدينكم، وأفكاركم فيما بينها مشتكية أو محتجة في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس (رو 2: 15، 16)إن منظر الديان الرهيب سوف يدفعكم أن تنطقوا بالحق، وحتى إن لم تتكلموا، فإن أعمالكم نفسها تستذنبكم، إذ أنكم سوف تقومون لابسين أعمالكم الشريرة أو الصالحة.

وهذه يعلنها الديان نفسه، إذ أن المسيح هو الذي يدين. لأن الآب لا يدين أحدًا، بل قد أعطى كل الدينونة للابن (يو 5: 22)، دون أن يتجرد الآب من سلطانه، بل يدين خلال الابن. فالابن يدين بإرادة الآب، إذ إرادة الآب والابن واحدة بذاتها ليس فيها اختلاف. إذن ماذا يقول الديان بخصوص أعمالك؟ “ويجتمع أمامه كل الشعوب لأنه في حضرة المسيح، تجثو كل ركبة مما في السماء وما على الأرض وما تحت الأرض (في 2: 10). فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء (مت 25: 22). كيف يميِّز الراعي بين الخراف والجداء؟ هل يفحص من هو خروف ومن هو جدي من كتاب ما؟ أم يقرِّر ذلك بحقائق جليَّة؟ أليس الصوف يُظهر الخروف بينما الجلد الخشن المشعر يظهر الجدي؟! هكذا أنتم أيضاً، إذا تطهرتم من خطاياكم تكون أعمالكم كالصوف النقي، ويبقى ثوبكم بلا دنس، وتقولون على الدوام: خلعت ثوبي فكيف ألبسه؟! (نش 5) لأن من منظركم سوف تُعرفون كخراف. أما إن وجدتم كعيسو لكم شعر خشن وعقل شرير، الذي خسر بكوريته بأكلة، وباع امتيازه، حينئذ تكونون من أهل اليسار. ليحفظ الله كل الحاضرين هنا، فلا يسقط أحد من النعمة، ولا يوجد بين صفوف الأشرار الذين عن اليسار بسبب أعمال شريرة. 

بالحق مخيفة هي الدينونة ومرعبة هي تلك الأمور المعلنة! ملكوت السماوات موضوع أمامنا والنار الأبدية معدة! قد يقول قائل: كيف أهرب من النار؟ كيف أدخل ملكوت السماوات؟ يقول (الرب) جعت فأطعمتموني. من هنا نتعلم الطريق. هنا لا توجد حكاية رمزية، بل وصية للتنفيذ، لتتمم ما قيل: جعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني، كنت غريبًا فآويتموني، عريانًا فكسوتموني، مريضًا فزرتموني، محبوسًا فأتيتم إليّ (مت 35:25). إن كنتم تفعلون هذه الأمور سوف تملكون معه، أما إن لم تفعلوها فسوف تُدانون.

ابدأ فورًا إذاً بتنفيذها، ولتثبت في الإيمان، لئلا تكون مثل العذارى الجاهلات اللواتي إذ أبطأن في شراء الزيت أُغلق عليهن. لا تطمئن لمجرد امتلاكك المصباح، بل ليكن المصباح مشتعلاً، ليضيء نور أعمالكم الصالحة أمام الناس (مت 5: 16). لا تجعلوا اسم المسيح يُجدف عليه بسببكم. البسوا ثوب عدم الفساد المتألق بالأعمال الصالحة.

ما يوكِّلك الله عليه، تاجر فيه بربح! 
هل استؤمنت على ثروات؟ وزعها حسنًا!
هل استؤمنت على مهمة التعليم؟ كن وكيلاً صالحًا وعلِّم بغيرة.

توجد أبواب كثيرة للوكالة الصالحة. ليته لا يُدان أحد منا ويطرد خارجًا، حتى نستطيع أن نقابل المسيح الملك الأبدي بثقة، هذا الذي يحكم إلى الأبد، هذا الذي يدين الأحياء والأموات، إذ مات من أجل الأحياء والأموات. وكما يقول بولس: لأنه لهذا مات المسيح وقام وعاش، لكي يسود على الأحياء والأموات (رو 14: 9).

——————————————————————-

المرجع: جزء من كتاب القديس كيرلس أسقف أورشليم للقمص تادرس يعقوب ملطي.
Reference: Fathers of the Church Series, Volume 64, Cyril of Jerusalem, Catechises
Comments
  1. MONA ISKANDER
  2. كرم رباح

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات