رسالة لحضرة نيافة الأرشمندريت توما (بيطار)

الأرشمندريت توما بيطار

الأرشمندريت توما بيطار

 رسالة لحضرة نيافة

الأرشمندريت توما (بيطار)

لقد أُعجبتُ شاكراً لوفائكم الأمين للأب متى المسكين, فقد أستهليتم مقالكم بالحديث الدمث عن هذا الصرح الشامخ, عن جديته الأختبارية للحياة المسيحية, ولكن للأسف لم يَستمر المقال على هدى بدايته الجميلة, فقد ذكرتم مقولة غريبة عن لسان شيخنا المهيب, نقلاً عن ناقل إليكم …. مجهول لم تذكروه, وللأسف فأن هذه المقولة العجيبة لا تصدر عن مدرس فى مدارس الأحد! فمنهج التربية الكنسية للنشئ, يحمل عمقاً يفوقها بمراحل لا تحصى, ليفضح عدم أصالة هذة المقولة!!

فقد ذكرتم عن الأب متّى المسكين، إنه قد (سألوه، مرّة: أيستجيب ربّك متى صلّيت؟ فأجاب: لو لم يكن ليستجيب لكنت مزّقت “الكتاب المقدّس”، وألقيته في صندوق القمامة!)!!

دع عنك ركاكة العبارة التى لا تصدر عن تلميذ فى التعليم الأعدادى, فما بالك بشيخ الشيوخ, أبونا متى المسكين مختبر النعمة منذ نعومة أظافره!
وبداية أحب أن أتوجه بكل تأكيد بأننا نرى بأن هذا لم يصدر عنكم, بل قد صدر عن من نقل منا – الأقباط – لمسامعكم هذا القول الغريب العجيب حقاً! الذى منذ الوهلة الأولى نرى انه غريب بل مضاداً بالحق لكل تراثنا الأرثوذكسى اللاهوتى والنسكى معاً, والذى تفاعل معهما أبونا متى المسكين بكل كيانه, حتى أصبح هو نفسه علامة شامخة فى تاريخنا المعاصر الممتد إلينا من أعماق التاريخ.

لذا فبكل ثقة نؤكد مرة أخرى بأن هذا لا يمكن أن ينسب لنيافتكم بأى حال من الأحوال, بدليل إنه لو سألكم نفس السائل هذا السؤال, وهو الذى لا يسأله مسيحى, ما كنتم أجبتم بهذا الشكل الضحل على الأطلاق, لأننا جميعاً نعلم بأن هناك الكثير من صلواتنا لا تستجاب, وترفض السماء تحقيقها, فحياة التسليم الكامل التى لأبائنا القديسين تمنعهم من الأعتقاد بمثل هذه المقولة, التى أقل ما يقال عنها أنها خاطئة, فإن كنا ونحن أباء جسديين نعول مصالح أسرنا بكل حكمة, فلا نستطيع الأستجابة لكل طلبات أبنائنا, فكم وكم بأبينا السماوى العالم بكل بواطن الأمور, الجالس على كرة الأرض!!

ام إنها الدعوة المستترة التى لا نعرف من أين تأتى علينا,

للتخلص من الأنجيل وإلقاءه فى صندوق القمامة على أفضل تقدير!!

ولربما تنشأ مثل هذه المشاكل من سرعة تناول وتداول المعلومات فى عصرنا الحديث, فنتناقل أخبار وأقوال تنسب لقديسينا بدون مراجعة وفحص وتدقيق, لذا وجب علينا جميعاً الحذر التام من الفيس بوك وما شابهه, ومن إمكانيات سرعة إنتشار المعلومات الخاطئة.

وأعتقد تماماً أكثر من أى وقت مضى بضرورة أنشاء مؤسسة كنسية, تكون كل مهمتها كنس وتنظيف وتبرئة الساحة الكنسية من كل المهاترات الفكرية, التى لا أساس لها فى لاهوتنا, ومن كل الأقوال التى تنسب لقديسينا على عجالة من الضمير وتعجل فى النشر, وليس لها أصل ثبوتى راسخ واضح من تاريخنا.

فللأسف هؤلاء الفيس بوكيين منتشرين فى كل كنائسنا, بل وفى معاقلنا التعليمية أيضاً, الذى لا مرجع لهم ولا مصادر معتمدة, سوى لوحة المفاتيح التى تعمل فى أيديهم بسرعة البرق, والتى تفوق سرعة تعقلنا, فيكتبون ويكتبون لينشرون دون روية وتأمل للكلمات, وتفحص للمعانى, وأختبار للمقاصد, وأعلاءً للأهداف, ولا تطبيقاً صحيحاً لما قد أستلمناه من أمانة, فإنهم بالحق يطربقون ولا يطبقون!

وللأسف أيضاً هذا المنهج الخاص بالفيس بوكِ قد أنتشر كالنار فى الهشيم, ليجعل كنيستنا واقعة لا محالة تحت رحمة الناقدين, فهم بمنهجهم هذا يحركون تخم أباءنا من مواضعها, فأبسط ما يذكروه عنا ناقدينا, إننا دائماً نفتقد التوثيق بالمصادر لما نقول, ولما نذكر عن أبائنا, فعلى فم أثنين أو ثلاثة يكون صحيح النقل والشهادة, وها نحن نتناقل فيما بيننا الكثير والكثير جداً, دون مراعاة الحد الأدنى لصحيح النقل والتسليم, لنبدد الأمانة التى قد أئتمننا عليها أبائنا.

أليس هناك حق للقارئين على الناقلين, أن يحسبوا حساب القراء المساكين, الذين لا يملكون من أدوات النقد والتعبير, سوى نظارة سميكة, ينتظرون بفارغ الصبر, أن يتفحصوا المراجع التى أفتقتدها كتابات هؤلاء الفيس بوكيين, لأفعال وتصرفات وأقوال أبائنا عن لسانهم الذى ينطلق بسرعة الصاروخ.

بل وبالحق هذا يسرى أيضاً على جزء ضخم من لاهوت وتعاليم زماننا الألكترونى, أم إنها سمة عصر الفيس بوك, الذى جعل الجميع يكتبون بلا رقيب وبلا مصادر, فها هم أهل عصرنا الحالى يكتبون ولا يعرفون ما يكتبون, كأنهم بلا تاريخ وبلا جذور أصيلة, وكأن كتابهم هذا قد فاق التاريخ والزمان, أو بدأ عدّاد الزمن يعمل فقط منذ ميلاد أفكارهم الرصينة. فها هم يصرخون بأن الزمن والتاريخ يبدأ من موضع أقدامهم وأقلامهم!!

وأختصاراً …. علينا الحذر التام من التأكل الداخلى! الذى يمكن أن يحدث لكنيستنا, والذى يمكن أن نتسبب فيه بحسن نية منا ومن غيرنا, هذا التأكل الداخلى يبدأ بأحلال منطق الفرد مكان أختبار الجماعة, ويتم هذا بتجاوزنا وأهمالنا للمصادر وللمراجع التى لحياة الجماعة, فتختفى حياة الشركة, ليظهر فرد نابغ وحيد قليلاً ثم يضمحل, ليختفى وإلى الأبد, تاركاً وراءه فراغاً مخلخلاً للجذور, فتنحسر البشارة فتذبل وتمرض, ولكنها من رحمة الرب لا تموت!

وكم أرجوا أن نأخذ نحن الكنسيين بحكمة أبناء العالم, الذين قد أثبتوا بالفعل أنهم أحكم من أبناء النور:
قال ويليام جيمس ديورانت فى كتابه قصة الحضارة: (لا يمكن لأى قوة فى العالم أن تحتل أى حضارة, إلا عندما تتأكل هى من الداخل!)
فهل لنا ولهم أن ينتبهوا لما هم فاعلون!!

فأغفر لنا ولهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون!!

Comments
  1. ebn elnour

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات