الروح القدس والتدرج من حياة الخطية إلى حياة القداسة (1) – الأب متى المسكين

الروح القدس والتدرج من حياة الخطية إلى حياة القداسة (1)

الأب متى المسكين

matta el maskine10aالروح القدس لا يعمل في السطح ولا من الظاهر, إنه يعمل في الداخل وفي الخفاء جداً.

لذلك إذا أردنا أن نتتبع عمل الروح القدس في حياتنا, يلزمنا أن نتعمق كل شىء, نتعمق فكرنا, نتعمق ضميرنا, نتعمق دوافع سلوكنا, نتعمق رغباتنا وشهواتنا الطيب منها والردىء, نتعمق صلواتنا وصومنا ودموعنا, نتعمق خدمتنا, وأخيراً نتعمق حبنا لله والناس.

لأنه من هذا العمق نتواجه مع فكر الروح القدس ومطالبه وأهدافه فينا.

والتعمق دائماً يتطلب جهداً, فإذا أهملنا التعمق بسبب صعوبة الجهد المبذول, فإننا ننطرح على السطح ونعيش في مظاهر الأقوال والأعمال فلا نتواجه مع الروح القدس.

أما لماذا لا يعمل الروح القدس إلا في الأعماق, فذلك راجع إلى طبيعة الإنسان, لأن الدوافع والأسباب والغايات الحقيقية التي تحرك الإنسان أو التي يتحرك الإنسان بمقتضاها لا تعمل ولا توجد إلا في أعماقه. أما السطح فلا توجد ولا تعمل إلا الدوافع المزيفة التي تحركها وتتحكم فيها التقاليد الإجتماعية والتأثيرات البيئية والتربوية وإيحاءات الغير.

حينما يبدأ الروح القدس عمله في أعماق الإنسان, يبدأ الإنسان يكشف مفاعيل الروح القدس الأولية على هيئة صراع داخل الفكر والضمير والأعضاء, صراع بين رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ ــ أي روح الحق والقداسة والبر والتعفف ــ ضد روح الباطل والنجاسة وخداع الشهوة.

هنا الصراع يبدو مُراً وغير محتمل على ضمير الإنسان وفكره, بسبب إمكانية السقوط في الشر مع وجود روح القداسة في ذات الوقت, حيث يبلغ التأنيب أوجه “11 لأَنَّ الْخَطِيَّةَ، وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ، خَدَعَتْنِي بِهَا وَقَتَلَتْنِي. 12 إِذًا النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ، وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ. 13 فَهَلْ صَارَ لِي الصَّالِحُ مَوْتًا؟ حَاشَا! بَلِ الْخَطِيَّةُ. لِكَيْ تَظْهَرَ خَطِيَّةً مُنْشِئَةً لِي بِالصَّالِحِ مَوْتًا، لِكَيْ تَصِيرَ الْخَطِيَّةُ خَاطِئَةً جِدًّا بِالْوَصِيَّةِ. 14 فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ، وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ. 15 لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ، إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. 16 فَإِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ، فَإِنِّي أُصَادِقُ النَّامُوسَ أَنَّهُ حَسَنٌ. 17 فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. 18 فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. 19 لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. 20 فَإِنْ كُنْتُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ، فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. (رو 11:7-20).

أما النتيجة الحتمية التي يبتغيها الروح القدس في هذه المرحلة فهي بغضة الخطيئة جداً. وبقدر ما يزداد وجود الروح القدس يزداد تبكيته لسلوك الإنسان, فيزداد الإنسان بغضة لحياة الشر والخطيئة جداً.

هنا يكون الإنسان منحازاً إلى الروح القدس بضميره أو بقلبه, الذي أسماه بولس الرسول فكر أو عقل أو ذهن. (وهذا الإلتباس ناتج من تغيير حدث على مدى العصور في معني كلمة), حيث التوبة في عرف لغة الأنجيل هي تغيير يتم في العقل, كذلك أيضاً فإن عمل الروح القدس لتجديد الإنسان يتم في الذهن أيضاً تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ (رو 2:12)و تغييروا عن شكلكم  = أي تغير من طور إلى طور.

ولكن مع الأسف الشديد فبينما يكون الإنسان منحازاً للروح القدس بقلبه يكون جسده منحازاً للخطيئة ” 17 لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، حَتَّى تَفْعَلُونَ مَا لاَ تُرِيدُونَ. (غل 17:5), وذلك بسبب امتداد غير سويّ لسلطان الغريزة والعادة الذي يحتاج لبعض الوقت ليخضع وينضبط لسلطان الضمير والقلب بالروح القدس. علماً بأن الخطيئة تستغل دائماً الغريزة الطبيعية في الإنسان لتنحرف بها دون المطالب الطبيعية.

فإن كانت الخطيئة تجد لها في غرائز وشهوات جسد الإنسان قاعدة تختبىء فيها وتعمل من خلالها, فإن الروح القدس يجد له في قلب الإنسان (أو عقله وضميره) قاعده يسكن فيها ليبدأ عمله ضد عنصر الشر المتسلط على جسد الإنسان “16 وَإِنَّمَا أَقُولُ: اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ. (غل 16:5), حيث يبدأ التغيير والتجديد في الذهن, وهذا أسهل نوعاً ما.

وهذا يوضحه بولس الرسول عندما يشرح حالة الإنسان وهو تحت فاعلية الروح القدس في بداية صراعه ضد الخطية:

 ــ “22 فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ. 23 وَلكِنِّي أَرَى نَامُوسًا آخَرَ فِي أَعْضَائِي يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي، وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ الْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي. 24 وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟ 25 أَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا! إِذًا أَنَا نَفْسِي بِذِهْنِي أَخْدِمُ نَامُوسَ اللهِ، وَلكِنْ بِالْجَسَدِ نَامُوسَ الْخَطِيَّةِ. (رو 22:7-25).

 ولكن إن أنحاز العقل والضمير للشر نهائياً ورفض بإصرار قبول الروح القدس أو الوقوف بجانب مشورته, يتوقف إيحاء الخير, وينعدم بذلك الصراع بين الخير والشر, ويقف بالتالي التبكيت, ويتخلى الله عن الإنسان, ويسلمه للعدو ” 28 وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ، أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ. (رو 28:1).

وهنا يصبح الذهن ذهناً مرفوضاً يفعل كل ما لا يليق بلا مانع وبلا أقل تأنيب!!

بل ويُسر الذهن المرفوض بالذين يفعلون الشر “32 الَّذِينَ إِذْ عَرَفُوا حُكْمَ اللهِ أَنَّ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ هذِهِ يَسْتَوْجِبُونَ الْمَوْتَ، لاَ يَفْعَلُونَهَا فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا يُسَرُّونَ بِالَّذِينَ يَعْمَلُونَ.(رو 32:1), حيث يصبح الذهن هنا فاقداً للنور الإلهي, تابعاً للجسد ومتوافقاً معه, ويسميه بولس الرسول ذهناً جسدياً: “18 …. مُتَدَاخِلاً فِي مَا لَمْ يَنْظُرْهُ، مُنْتَفِخًا بَاطِلاً مِنْ قِبَلِ ذِهْنِهِ الْجَسَدِيِّ (كو 18:2).

وهذا الإنغلاب الخطير الشامل إنما يبدأ بهجمات الشيطان المتعددة لتشكيك الذهن في ما هو خير وصالح, ويضغط على الإرادة حتى يكسر حاجز المقاومة حيث يبتدىء الإنسان يستسلم إلى ما لا نهاية.

أما إن ساد الروح القدس على الذهن وقَبِلّ الإنسان تبكيت الروح القدس وأستجاب له بالفعل, فإنه يصبح شيئاً فشيئاً ذهناً روحياً. ويمتد أثر الروح القدس من العقل النشيط المتجدد ليشمل كل ملكات الإنسان العليا فيسمَّى إنساناً روحياً, حيث يصبح ناموس الذهن ــ أي القانون الذي يسلك بمقتضاه ــ هو نفسه ناموس الروح القدس!! ويعبر عن ذلك بولس الرسول هكذا: “22 فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ….. وبِذِهْنِي أَخْدِمُ نَامُوسَ اللهِ. (رو 22:7و25).  (يتبع)

——————————–

من كتاب “مع الروح القدس في جهادنا اليومي” ـ الأب متى المسكين

——————

لمتابعة هذا العرض الشيق والدقيق لاهوتياً وأختبارياً

↓↓ أضغط على الصورة ↓↓

الروح القدس والتدرج من حياة الخطية إلى حياة القداسة (2) – الأب متى المسكين

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات