الكنيسة ومسئولية خلاص العالم (1) – الأب متى المسكين

الكنيسة ومسئولية خلاص العالم

الأب متى المسكين

matta el maskine10aلقد صرنا مثل الكرم الذي كثرت فروعه و أوراقه و قلَّ جوده وإثماره، فظهر جميلاً من الخارج ردياٌ من الداخل. بمعنى أنه أصبح لنا شكل التقوى و لكننا لا نملك قوتها (2تي 5:3), أو بمعنى أكثر صراحة أننا صرنا أتقياء فى أعين الناس وأعيننا، وصدقنا الناس، وصدقنا أنفسنا واكتفينا وفرحنا. ولكن فى حقيقة حالنا لا نحمل قوة التقوى ولا فاعليتها. فالهالك لا نقوى على إنقاذه والساقط لا نستطيع أن نقيمه، و المكسور والمريض لا نملك شفاءه، و حتى الضعيف لا نطيق احتماله …!

بل وياليتنا لما علمنا ذلك انسحقنا وآمنا بنقصنا وبوار حالنا ووقفنا نتضرع أمام الله أن يشفى سقمنا برحمته ويجُبر عجزنا بنعمته ويتدخل هو بذراعه ليصنع خلاصاً بقوته واقتداره. ولكن عوض البكاء و التوسل عن الذين يسيرون مسرعين فى طريق الموت و الهلك اكتفينا بخلاص أنفسنا وأغمضنا أعيننا وسددنا آذاننا حتى لا نرى ولا نسمع عدد الذين يهلكون كل يوم ربوات وملايين! نصلى السواعى وننام مرتاحى البال والضمير، فما لنا وخلاص الخطاة الزناة الأشرار و الأردياء؟

عندما نرى أو نسمع عن الشباب الذى يسقط كل يوم بالملايين، نجوز بفكرنا سريعاً غير مبالين، ندخل مخدعنا بقلب رضى هني لا نئن ولا نتنهد ولا نتوجع، وقصة السامرى واللصوص نمثلها بإتقان مذهل بأكثر هوان واستهتار من الكاهن واللاوى فيها !!

وكأنما صلوات السواعى وقيام نصف الليل والسجدات ــ قلت أو كثرت ــ كفيلة أن تعفينا من تحذير الله المخيف على فم حزقيال النبى: “وقال له الرب أعبر فى وسط المدينة فى وسط أورشليم وسم سمة على جباه الرجال الذين يئنون و يتنهدون على كل الرجاسات المصنوعة فى وسطها. وقال لأولئك ــ فى سمعى ــ أعبروا فى المدينة وراءه و أضربوا، لا تشفق أعينكم، ولا تعفوا الشيخ والشاب والعذراء والطفل والنساء، أقتلوا للهلاك ولا تقربوا من إنسان عليه السمة، وابتدئوا الضرب من مقدسى (حز 4:9-6).

وهكذا كل الذين لم يحملوا هَم خطايا الشعب ومفاسده، ولم يتنهدوا ولم يئنوا على هلاك الخطاة ساواهم الله بصانعى الرجاسات سواء بسواء إذ أجاز قتلهم!!

فيا ويلنا يا إخوتنا إن كنا لا نحمل هَم الخطاة، ولا نئن ونتنهد الليل والنهار أمام الله فى حزن و بكاء فى المسوح والتراب كما فعل أباؤنا ونجوا، نصرخ أمام الله بتوجع من أجل الخاطىء كإبن وحيد لنا، بل ويا ويلنا إن كنا لا نقف بعزم القلب على أهبة الاستعداد، أتم الاستعداد، أن نسلم كل وقتنا وحياتنا ثمناً لعودة الخطاة لحضن المسيح.

و ها هو ذا يجىء موسم الصوم فى هذه السنة و العالم كله يتطلع إلى مَن يخلِّص، فالضربة بلغت من القدم للرأس، والحال بلغ إلى نزاع الموت الأخير و الكل يتطلع إلينا طالباً المعونة بل طالباً برهان الحياة التى فينا، ألسنا نموت عن العالم كل يوم؟

و لكن يالحزنى فنحن لا نملك إلا دموعنا و صرنا كالشجرة التى تعوقت عن إعطاء الثمر فى أوان الثمر وصار مصيرها فى خطر، لأن صاحب البستان يطلب إخلاء الأرض لولا البستانى الكريم الذى وقف يتشفع فيها هذه السنة أيضاً!!

لذلك أدعوكم بفم يوئيل النبى: “أضربوا بالبوق فى صهيون، قدسوا صوماً، نادوا بإعتكاف، اجمعوا الشعب, قدسوا الجماعة، احشدوا الشيوخ، اجمعوا الأطفال وراضعى الثدى، ليخرج العريس من مخدعه و العروس من حجلتها، ليبك الكهنة خدام الرب بين الرواق والمذبح ويقولوا اشفق يارب على شعبك، ولا تسلم ميراثك للعار، حتى تجعلهم الأمم مثلاً، لماذا يقولون بين الشعوب أين إلههم؟ (يؤ 15:2-17)    (يتبع)

————————

من كتاب الصوم الأربعيني المقدس – الأب متى المسكين

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات