سيرة قديس العصر بابا صادق روفائيل

سيرة قديس العصر بابا صادق روفائيل

كما عاصرها وعاشها أبونا القمص لوقا سيداروس

Pappa Sadik Rofaielعاش هذا البار بيننا بالأسكندرية الفترة الأخيرة من حياته على الأرض بعدما ترك القاهرة سنة ١٩٦٠ وتنيح بالأسكندرية سنة ١٩٦٩ عن ٦٨ عاماً. وكان وهو في القاهرة معروًفا من أحباء كثيرين ولا سيما في كنيسة السيدة العذراء بروض الفرج بشبرا التي أمضى بها سنين كثيرة.

وقد تميزت حياة عم صادق روفائيل بالبساطة والعمق في آن واحد. فهو في سنى شبابه لم يعرف لهو الشباب بل كانت علاقته القوية بالمسيح مصدر نقاء وطهارة لذهنه حتى احتفظ بقلب طفل طاهر وقد جاوز الحادية والعشرين من عمره. وقد انتقل أخوه الأكبر إلى الأخدار السماوية وهو في ريعان الشباب  وقد ترك زوجته وابنته الطفلة الصغيرة.

أما صادق فقد وضع في قلبه منذ السن المبكرة على حياة يحيا فيها مكرساً ومقدساً العمر كله للذى أحبه وبذل ذاته عنه، وكان قد نوى في قلبه أن يذهب إلى أحد الأديرة, ولكن وفاة شقيقة المفاجئة جعلته أمام مسؤلية لا مفر منها, وقرر أن ينتظر قليلاً حتى تتزوج أمرأة أخيه ويستقر حالها.

وبينما هو يفكر هكذا … مرضت والدته وكان يقدسها ويحبها جداً، وإذ كانت في لحظاتها الأخيرة أوصته واستحلفته قائلة: “لا تذهب إلى الدير إلى أن تطمئن على إمرأة أخيك، فوعدها بذلك. ثم أنتقلت في ذات اليوم ومن وقتها صار صادق ملتزماً بامرأة أخيه وطفلتها, فصار هو العائل الوحيد لها، وقد تقدم كثيرون للزواج منها, ولكنها وقد تأثرت بحياة الصلاة والشبع بالأنجيل والإستغناء عن كل ما في العالم، وقد رأت هذا معاشاً بصورة مفرحة في حياة عم صادق، رفضت الإرتباط برجل آخر بإصرار وعقدت عزمها على أن تعيش هى الأخرى للمسيح… وقد كان.

وهكذا ظل عم صادق يعول زوجة أخيه ويربى ابنتها, وكان يعمل موظفاً بوزارة العدل إلى أن أحيل إلى المعاش, ثم ترك القاهرة وسكن بالأسكندرية. وفي كل مجال وجد فيه هذا البار كان الجميع يشهدون أنه رجل اللَّه، ففي مجال العمل اكتسب ثقة الرؤساء وحب المرؤسين وكان نوراً وملحاً بحسب الأنجيل.

وقد كان باقى الوقت مكرساً بالكامل للحياة الروحية وقد أعطته النعمة فيضاً من التعزيات وعمقاً في الروح، حتى أنه ما كان يفتح فمه ليتكلم حتى ينساب الكلام كفيض غزير كما من نهر دافق. وكان كل من يسمعه يلتهب بالفرح والتوبة ومشاعر روحية يعجز التعبير عنها.

أخبرنى أنه في إحدى المرات كان يزور عائلة بالقاهرة محبة للمسيح, وفي المساء بدأوا يتعزون بكلمة النعمة، ومر الوقت دون أن يشعروا وفوجئوا بصوت بائع اللبن بالخار ج ينادى! لقد صار الصباح وهم في نشوة الروح فصلوا وخرج ذاهباً إلى العمل.

وقد كانت تعزية لزوجة الأخ أن تجد إلى جوارها في القاهرة ملجأ كنيسة العذراء الذي أسسه المتنيح القمص داود المقارى وهو رجل قديس وكان صديقاً حبيباً لعم صادق، فابتدأت تنشغل بالأطفال وتغدق عليهم حباً وحناناً.

وفي إحدى ليإلى شهر كيهك وقد كانوا بالكنيسة بحسب عادتهم كل سبت يتنغمون بالتسبيح, وكانت زوجة الأخ جالسة وقد احتضنت بعض أطفال الملجأ في حضنها وأراحتهم على ركبتيها، وقد كانت ذو قلب بسيط ساذج، فسمعها عم صادق تهمس في أذنه: “يعنى يا صادق يا أخويا هى العذراء ليه ما تجيش دلوقت وتفرحنا زى ما أحنا سهرانين حواليها “!
ولم تنته العبارة من فمها حتى تجلت العذراء القديسة أمامهم بهيئة كاملة تتمشى في الهيكل, فسجد عم صادق إلى الأرض, وانتفضت هى متهللة تعطى السلام والطوبى للقديسة الطاهرة .
ومن عجب أن أحداً من الموجودين لم ينعم بالرؤيا سوى بعض الأطفال الصغار.

حياته في الأسكندرية:
لقد هرب عم صادق من القاهرة إذ وجد أنه صار معروفاً من كثيرين وكان يفضل أن يعيش حياة هادئة بعيداً عن أنظار الناس … حتى أنه عندما جاء إلى الأسكندرية كان يخفي نفسه ولا يختلط كثيراً بالناس.
سكن بجوار كنيسة مارجرجس باسبورتنج، وتعرف بأبينا المتنيح القمص بيشوى كامل، وكان ذلك في بداية خدمته وكان أبونا بيشوى عندما يريد أن ينال قسطاً من الراحة من عناء الخدمة، يدخل بيت عم صادق وكانا يتعزيان معاً بكلمات النعمة وفيضها. وقد أجتمع إلى عم صادق قلة قليلة من الشبان معظمهم من المغتربين، وكان بالنسبة لهم ينبوع تعليم وبركة كبيرة.

ولم يكن عم صادق يقبل أن يعظ في الكنيسة أو أجتماعاتها وكان يقول إن الروح القدس هو الذي أقام في الكنيسة أولاً: رسلاً، ثانيًا: معلمين، وأنا لم يقمنى الروح معلماً. ولكننى أنا أتعزى مع أخوتى الذين يشاركوننى الإيمان وكل ما آخذه من اللَّه لا أبخل به على أحد.

صلاة القداس:
سيظل هذا المنظر عالقاً بذهنى ما حييت، منظر عم صادق في الكنيسة أثناء القداس، لأنى أشهد بالحق أننى ما رأيت مثل هذا مطلقاً, فهو يدخل الكنيسة ويسير بخشوع شديد إلى الهيكل البحرى الجانبى، ويسجد بوقار شديد ثم يدخل إلى مقصورة الرجال ويسجد إلى ناحية المذبح, ثم يقف كمن تسمرت قدماه لا يتحرك طوال القداس إلى النهاية، ومن لحظة دخوله إلى الكنيسة ووقوفه تجاه المذبح وعيناه تفيضان بالدموع كأنهما مجارى مياه أرميا النبى.
هكذا رأينا عم صادق في جميع القداسات التي عاشها في الكنيسة, لم تكف عيناه عن البكاء في قداس واحد، من أين تأتى هذه الدموع الغزيرة؟ سوى من قلب نقى رحوم ومشاعر روحية مرهفة وإحساس حقيقى بحضور المسيح.

إنكار الذات:
في حديث لى مع المتنيح البابا كيرلس السادس في ١٩٦٧ وكنا في هيكل الكنيسة المرقسية بالأسكندرية, طلب إلى البابا القديس أن أحضر له عم صادق, فذهبت في نفس اليوم إلى عم صادق وقلت له أن سيدنا البابا يريد أن يراك فنزلت الكلمات كالصاعقة على الرجل! … ظل يبكى بصوت مسموع ويقول لى: “اللَّه يسامحك، مش تستر علىّ لغاية ما أعدى … أنا الحقير ماذا يريد منى البابا. وكنت أهدئ من روعه: إن الموضوع لا يتعدى مجرد الرؤيا أو التعار ف … وأخيراً قال لى: “سأذهب إليه وأطيع كلمته, ولكن سأسلم عليه وآخذ بركته في وسط الشعب, دون أن أعرفه بنفسى. وطلب إلى المسيح له المجد بصلوات وتوسلات أن يخفي شخصه عن البابا فلا يعرفه, لأنه كان يعلم أن الرب أعطى البابا كيرلس السادس هذه النعمة وموهبة كشف الأسرار… وقد كان، فذهب إلى البابا متخفياً, ولم يعرفه البابا في وسط الناس, وهكذا أظهر البار إتضاعاً ومسكنة روح يعز أن نراها في زمننا الحاضر.

النعمة:
كانت تعاليم بابا صادق التي تفيض من تصرفاته في حياته الشخصية, وفي كلماته المملؤة حكمة وعمق روحانى، كان يعزوها كلها للنعمة, وكان ينكر ذاته كفاعل أو متكلم. فكان عندما يرشم ذاته بعلامة الصليب المحى في بدء كلامه فيقول: “النعمة تقول“!! ويستطرد حديثه، وكان يعترف مرات كثيرة أنه يضع نفسه في مقدمة السامعين, ليستفيد هو بالكلمة ويأخذها لذاته قبل أن يعلم بها آخرون.

أغرب من الخيال:
كنت أصلى القداس الإلهى في بداية حياتى الكهنوتية, وكان عم صادق يقف كعادته في خورس المتناولين منذ بدء الخدمة … وكان على أن أعظ فى ذلك اليوم وأفسر إنجيل القداس … ثم حدث في المساء أن مررت على عم صادق بمنزله لزيارته. ووجدته متهلاً بالروح ووجهه يفيض فرحاً وبادرنى قائلاً: “مبارك أسمك يا رب … أنا متعجب من محبة اللَّه وعمله غير المعقول, فقلت له ماذا حدث حتى تقول هذا، قال لى كأعتراف: “في أثناء العظة في القداس اليوم كانت تأتينى أفكار معزية وعالية جداً, ووجدت أنه خير أن ينتفع بها الشعب الحاضر بالكنيسة, فطلبت من المسيح أن يعطيك هذه الأفكار لتنطق بها، والعجيب أنك نطقت في ذات اللحظات! وليس بالأفكار فقط بل بنفس الكلمات بالحرف! فصرت  أسجد في الهيكل وأُقبل قدمى الرب, وأشكر نعمته العاملة فينا والروح الذي يؤازرنا ويستجيب طلبتنا.

في المرض:
عندما أُصيب عم صادق بمرض الحساسية في صدره وكان المرض يمنعه من النزول حتى إلى الكنيسة, كان يعيش وهو في منزله معنا بالروح في الكنيسة يتابع القداس بروحه حركة حركة، وكلمة كلمة، وكان يشعر وإن كان غائباً بالجسد, ولكن روحه تتمتع بشركة الكنيسة وعبادتها.
وعندما كان يضطر للتناول من الأسرار المقدسة وهو في المنزل بسبب المرض، يا للمخافة والرهبة, ويا للحب الجارف الذي كان يقدمه, وهو يقول للمسيح ودموعه تملأ عينيه:” أنت يا حبيبى جاى لغاية البيت الحقير ده، لعبدك المسكين.
وكان رغم ضعف جسده ومرضه الشديد يسجد إلى الأرض وهو بالكاد يلتقط أنفاسه, ولكن الروح النشيط كان لا يكف عن تقديم العبادة والبذل والحب لذاك الذي أحبنا إلى المنتهى.

كلمة اللَّه الحية:
كان في أيامه الأخيرة يعانى بشدة من مرض الحساسية, وكان يتنفس بصعوبة بالغة ولكن العجيب ما إن يدخل إليه أحد أولاده, ويفتح فمه ليتكلم معه كلمة الحياة الأبدية بكل أحاسيسه, حتى ينتظم تنفسه وكأنه بلا مرض!

فكانت تبادره أمرأة أخيه (وكان يدعوها دائماً أختى) قائلة: “يا أخى أنا حقاً متعجبة من أمرك، من دقائق قليلة كنت في حال الموت فما بالك الأن تتكلم، أسكت قليلاً لكى تستريح، فكان يجيبها بأبتسامة لطيفة: “يا أختى ألا تعلمى أن كلمة اللَّه حية ومحيية، أنى وأنا أنطقها بفمى تحيينى.

الأيام الأخيرة:
أنشغل في أيامه الأخيرة بفكر واحد كان يملأ عليه حياته, وقد إنطبع على جميع كلماته وتأملاته, وهو موضوع نهاية العالم أيها الأولاد إنها الساعة الأخيرة وهكذا كان كمن أُعلن له مسبقاً رحيله من هذا العالم، إن خلع مسكنه قريب وكان يحمس أولاده أن يكونوا في سهر وإستعداد لملاقاة العريس, وليس أدل على ذلك سوى عبارة عميقة روحية أفتتح بها إحدى رسائله إلى أحد أبنائه في الخارج ونحن نضعها هنا كنموذج نتعرف من خلاله على هذه الشخصية الروحية العملاقة، أسمعه يقول:
“ابنى الحبيب …
عندما تقبل أيام الصوم الكبير تكون النعمة قد رتبت أمام نفسى مائدة غنية لآخذ لنفسى زاداً يكفينى للركض للقاء الحبيب, ولما كان لضعفي وتهاونى يفوتنى الكثير, فإن النعمة تعوضنى في السنة الجديدة ما فاتنى أن أتمتع به في الماضى. وقد توسلت إلى المسيح بحق حبه الذي له في قلبى أن يُجلس نفسك المحبوبة بجوار نفس أبيك الشيخ المسكين, لكى تأخذ لك يا ابنى طاقة تكفيك للركض في الطريق الروحانى لملاقاة المسيح المبارك.”

مقتطفات من إحدى رسائله لأبنائه:
ابنى الحبيب في الرب يسوع …
١. [حياة المسيح له المجد هى لك، وهى مُعلنة في الكتاب المقدس وفي حياة القديسين، فادرسها ليس عن المسيح في شخص المسيح، بل عنه في شخصك، لأنك أنت لابس المسيح، فكل تصرفاته ومشاعره وأقواله هى لتصدر عنه فيك أو به منك … فادرسها في حياة القديسين عالماً أن كل ما لهم هو لك لتسير على منوالهم في قهر أرادتك وتدريبها على نحو ما دربوا هم إراداتهم, لكى تندمج في إرادة المسيح، حتى كما أُستعلن فيهم يُستعلن في حياتك.]

٢. [إذا جلست إلى الكتاب المقدس فأنت في حضرة المسيح بالذات، وكل ما تقرأه أنت بالذات هو موضوعه، وبذلك لا تكون قارئاً بل مستسلماً لفعل النعمة في شخصك … ولهذا أقرأ قليلاً وتأمل روحياً كثيراً حتى تحول ما تقرأه إلى حياة فعلية فيك, بحيث تشعر أنك تحيا ما تقرأه مؤمناً أن أقوال اللَّه هى ذاتها روح وحياة أى قوة روحية إلهية تولد بتفاعل روحك معها حياة، هى حياة الفادى الحبيب فيك.]

٣. [إياك أن تقرأ أو تسمع إلا للروح القدس في معلمى وقديسى وأبناء كنيستك الروحيين، ولا تستطيع ذاك إلا إذا كانت لك حباة روحية.]

٤. [لتكن حياتك هى حياة الصلاة المستمرة التي بلا إنقطاع بروح الحب والشكر، لأن صلاتك هى حياتك، وحياتك هى الصلاة. وهذا معنى شركتك الروحية في المسيح، فكل ما تقرأ أو تقول أو تعمل أو يصل إلى حسك من الخارج أو من الداخل لتكن عناصر صلاتك تمجيداً وتسبيحاً وشكراً وموجات حب للملك المسيح تجاوباً وتفاعلاً مع أعمال محبته الخلاصية لك ولكل البشر.]

٥. [درب روحك على تلقى إشارات الروح القدس العامل فيك, وفي كل شئ وكل أحد وكل حادث وكل زمان ومكان وكل حال بأن تكون صلاتك الدائمة صلة متبادلة بين روحك وبين المسيح بالروح القدس، وما دُمت تتصل به وفق إرادته بإنعدام إرادتك الذاتية لكى تكون إرادته الكل في الكل فلابد أن تتلقى مناجاته الروحية الملتهبة بنار حبه لك مقابل مناجاتك له.]

٦. [قاوم هواك دائماً بأن تعمل بقوة الروح القدس الملتهب بنار الغيرة ضد إرادتك الذاتية وكل إرادة ذاتية تتصل بك، أشعلها حرباً حامية على الجسد والعالم بحفظ وصايا الملك المسيح, التي هى روحه الإلهية التي تحيا بها متنافراً مع روح العالم وساحقاً له وما أصطلح عليه الجسد وما يميل إليه، فلا يكون لهما شئ البتة فيك بحيث تكون كل خسارة جسدية وعالمية ربحاً من أجل المسيح وبهذا تستطيع بسهولة أن تحول كل شئ وكل حالة إلى صلاة شكر وتمجيد
لإسم الفادى الحبيب الذي معه لايزيد شيئاً وإن كان شئ لك فكأنه ليس لك.]

٧. [أحذر الكلام … إلا إذا كان للتعبير عن فعل وإختبارات النعمة فيك أو في غيرك أو في أى شئ.]

٨. [أحذر أتصالك بالناس أو أتصال الناس بك بأرادتك, إلا إذا كان لأتصال بالمسيح فيك وفيهم, ولأجل تمتعك بحق خلاصكم، وهو في الخطاة أناة ورحمة ومحبة، وفي الأبرار تنقية لنفوسهم وتأديب.]

٩. [لتسبق الصلاة كل ما يصدر منك في كل أمر وكل حركة, لكى يتحقق إيمانك بالإلتقاء مع المسيح في كل ما تَقبل عليه وما تكون فيه, وحينئذ ينتهى كل شئ بصلاح الشكر وتمجيد اسم الرب بفرح لا يُنزع منك.]

١٠. [أحذر المقاييس البشرية، لأن حكمة البشر عنده جهالة … وإحذر رضائك عن نفسك، فهو من عمل أرادتك الذاتية بروح الظلمة, بل لتشعر بعمل الروح القدس وحده لإرضاء المسيح فيك مكملاً نقصك.]

١١. [أعلم يا أبنى الحبيب … بأن أبناء اللَّه ظاهرون بحياتهم الروحية المتحررة من كل ما هو جسدى أو أرضى أو عالمى، هذه التي ليس بطبيعتهم الأحياء بها أى هدف فيها، بل هى عديمة القيمة لنفورهم منها بطبيعتهم المضادة لها، وبالأخص لأعتبارهم المسيح وحده حياتهم وفيه وحده ثباتهم، كما هو ثابت فيهم بخلاف أبناء العالم الذين يعتبرون العالميات والأرضيات هى كل مقومات حياتهم الجسدية، وهذا هو سر عدم تجاوبهم مع كلمة اللَّه، وسر عدم تجاوب أبناء اللَّه مع جميع مغريات العالم والجسد لأن هؤلاء بحياتهم الروحية جسدهم ميت، وأولئك بحياتهم الجسدية روحهم ميتة، لأن الإيمان هو الحياة، والحياة تعلن الإيمان، أى عبادة اللَّه أو عبادة العالم.
…. هذه هى أرشادات النعمة لك يا ابنى الحبيب، ولن تستفيد منها بل ولا يمكنك أى شئ منها، إلا إذا تجردت من سلطان جسدك وروح العالم، بالنية والوجدان والفعل بكل سلطان الروح القدس الماحى إرادتك الذاتية.
…. إذا فعلت هذا، وتستطيع أن تفعله فوراً إذا أردت فتحصل في الحال وفي لحظة على أشتعال وجدانك بحب المسيح إزاء شعورك بفيض حبه الغامر لك الذي كل ما في الوجود يعلنه، وحينئذ تصبح أمور الجسد والعالم بلا أثر ولا قيمة في نفسك فيسهل عليك التجرد من سلطانهما والأندفاع ليس بقوتك بل بقوة الروح القدس المالئ لك في طريق الأمجاد الإلهية التي للمسيح فيك وأنت في أحضان النعمة مجتذباً نحو الأمجاد السمائية مع الحبيب لكى ترتوى من دسم نعمة
أبيك وبركته له المجد إلى الأبد آمين.]

نياحته:
أخيراً بعد أن أكمل سعيه الصالح قاضياً أيام غربته في صلوات وأصوام وسهر ودموع وحب وطهارة وحفظ وصايا سيده
وأمانة في الوزنات القليلة، سمح الرب أن ينقله من أتعاب هذا العالم “٢٨ بابة” فكان هذا في ” نوفمبر سنة  ١٩٦٩, وقد شهد له الحاضرون أنه كان يفوح من فراش موته رائحة بخور طيبة عزْت جميع الحاضرين, وهكذا أنتقل إنتقال الأبرار مطوباً من الجميع.

دفنه:
حددنا موعد الجنازة وكان الرب قد أعطانا أن نبدأ مشروع كنيسة جديدة “كنيسة الأنبا تكلا هيمانوت بالأبراهيمية”وكانت قريبة من منزل عم صادق، فقررنا أن نصلى على جثمانه هناك، ولم نكن قد صلينا على أحد فيها من قبل، فكان هو كمثل باكورة للذين يأتون من بعده.
وصلينا عليه كشماس بحسب رتبته, وقد تعطلنا بعض الوقت … لأن الكنيسة لم تكن مهيأة بعد، ولم نعثر فيها على كتاب للخدمات, فأضطر أبونا بيشوى كامل إلى الذهاب إلى كنيستنا بأسبورتنج لإحضار كتاب للصلاة، ثم بعد الصلاة تكلم أبونا بيشوى في الحاضرين كلمة روحية في غاية العمق والروحانية تليق بمقام هذا البار الذي عاش بيننا، ثم زُف جسده الطاهر في الكنيسة، وحملوه إلى المقابر. وسبقناهم إلى هناك وفتح المدفن وإنتظرنا وطال أنتظارنا, ولم يأت أحد وهكذا كنا متعجبين من الإبطاء، ثم جاء أحد الخدام ليقول قد رجعوا به إلى الكنيسة! كيف يكون هذا!! فأعلمنا أن أقاربه قد حضروا من القاهرة, وطلبوا من سائق عربة الجناز الرجوع قائلين: إنه من حقنا أن نأخذه معنا ويستحيل أن نتركه يُدفن في الأسكندرية, معللين بأن وجود جسده في القاهرة بركة لهم جميعاً لأنهم يعرفون قدر قداسته، وحاول الموجودون أن يثنوهم عن عزمهم ولكن دون جدوى, فرجعوا ووضعوا الصندوق في الكنيسة, وقد كان وقت الغروب ولم يكن ممكناً أن يعودوا به إلى القاهرة في ذات اليوم, فأضطروا لإبقاء الجسد بالكنيسة طوال الليل حتى الصباح، وقد كانت هذه تعزية عظمى لأولاده الذين تجمعوا حول الجسد بالصلاة والمزامير ثم التسبحة حتى الصباح، وهكذا دون قصد من إنسان بل بالتدبير الإلهى أحتفل بهذا البار بطريقة تشبه الآباء البطاركة والأساقفة بالصلاة والتسبيح والوجود في الكنيسة طوال الليل .
وفي الصباح صلينا القداس الإلهى ثم سافروا به إلى القاهرة, حيث أستراح الجسد في مثواه الأخير إلى أن يُسمع البوق الأخير فيقوم الأموات في المسيح أولاً: ويلبس هذا الفاسد عدم فساد، ويبتلع المائت من الحياة حين يغير الرب شكل جسد تواضعنا لنكون على صورة جسد مجده بحسب عمل إستطاعته أن يُخضع لنفسه كل شئ. بركة هذا البار تكون معنا, آمين.

————————————–

نقلاً عن ما قد سجله أبونا الحبيب القمص/ لوقا سيداروس, كشاهد معاصر لأحداث سيرة القديس في كتابه “رائحة المسيح في حياة أبرار مُعاصرين.

———————————

كما يمكن متابعة الكثير من اللمحات المباركة من سيرة

 البار بابا صادق روفائيل

↓↓ أضغط على الصورة ↓↓

البار بابا صادق روفائيل (لمحات سريعة مباركة من سيرته)

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات