قيامة الجسد الترابي من الموت!! (1)

أولاً: قوانين إيمان الرسل حتى مجمع نيقية:

قبل صعوده إلي السموات لخَّص الربّ يسوع المسيح الإيمان المسيحيّ في عبارةٍ واحدةٍ هي: بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ وقال لتلاميذه فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ» (مت28/19-20).

وكانت هذه الصيغةوَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ، مع بساطتها في تلخيص جوهر الإيمان المسيحيّ كما سلَّمه الربّ يسوع المسيح نفسه للكنيسة من خلال الرسل، هي قانون الإيمان الأوَّل في الكنيسة المسيحيَّة الجامعة الرسوليَّة في كلِّ البلاد والأماكن التي انتشرت فيها المسيحيَّة في القرون الثلاثة الأولي للمسيحيَّة.

كما قدَّم لنا القدِّيس بولس، بالروح القدس، صيغة خاصَّة بالآب والابن في مواجهة آلهة العالم الوثنيّ تقول لأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ مَا يُسَمَّى آلِهَةً سِوَاءٌ كَانَ فِي السَّمَاءِ أَوْ عَلَى الأَرْضِ كَمَا يُوجَدُ آلِهَةٌ كَثِيرُونَ وَأَرْبَابٌ كَثِيرُونَ. لَكِنْ لَنَا إِلَهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ وَنَحْنُ بِهِ. (1كو8/5-6).

وكان هذا الإيمان، مع بساطته، هو الذي نادت به الكنيسة في كلَّ مكانٍ، شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا، والذي إتَّخذت منه، خاصَّة الآيتَين الأخيرتَين، قوانين إيمان يتلوها المعمَّد قبل معموديَّته مباشرة.

وقد لخص لنا فيليب شاف المؤرِّخ الكنسيّ (1) هذه القوانين كما جاءت في كتابات آباء الكنيسة شرقًا وغربًا ونُضيف إليها ملخَّص إيمان أريوس الذي كان السبب في عقد مجمع نيقية.

وننقلها مترجمة كما يلي:

1 – قانون إيمان الرسل (القرن الأول):

1- أؤمن باللَّه الآب ضابط الكلّ (خالق السماء والأرض)؛

2- وبيسوع المسيح، اٍبنه الوحيد، ربنا،

3- الذي (حُبل) به بالروح القدس، وُلد من العذراء مريم؛

4- (تألم) في عهد بيلاطس البنطي، وصُلب (ومات) ودُفن ؛

5 – (ونزل إلى الجحيم). وفي اليوم الثالث قام من الأموات؛

6- صعد إلي السموات وجلس عن يمين (الله) الآب (ضابط الكل)؛

7- من ثمَّ يأتي ليدين الأحياء والأموات؛

8- و(أومن) بالروح القدس؛

9 – والكنيسة المقدَّسة (الجامعة)، (وشركة القديسين)؛

10- وغفران الخطايا؛

11- وقيامة الجسد من الموت؛

12- (والحياة الأبدية).

—————-

2- قانون إيمان القديس إيريناؤس (عام 170م):

1- نؤمن … بإلهٍ واحدٍ الآب ضابط الكلّ، خالق السماء والأرض والبحر وكلّ ما فيها؛

2- وبيسوع المسيح، الواحد، ابن اللَّه (ربنا)؛

3- الذي صار جسد|ًا (من العذراء) لأجل خلاصنا؛

4- وآلامه (في عهد بيلاطس البنطي)؛

5- وقيامته من الأموات؛

6- وصعوده إلي السموات جسديًا؛

7- ومجيئه من السموات في مجد الآب لكي يضم كل الأشياء في رأس واحد, ويجري حكمًا عادلاً على الجميع.

8- وبالروح القدس …؛

11- وأنَّ المسيح سيأتي من السموات ليُقيم كلّ جسد من الموت, وليدين الأشرار والظالمين في نار الأبديَّة؛

12- ويُعطي المستقيمين والقدِّيسين خلودًا ومجدًا أبديًا “.

—————-

3 – العلامة ترتليان، من شمال أفريقيا (200م):

1- نؤمن بإله واحد، خالق العالم، الذي أوجد الكلّ من عدم …؛

2- وبالكلمة اِبنه يسوع المسيح؛

3- الذي نزل إلي العذراء من خلال روح اللَّه الآب وقوته، وصار جسدًا في أحشائها وولد منها؛

4- ثُبّت على الصليب (في عهد بيلاطس البنطي)، مات ودُفن؛

5- قام في اليوم الثالث؛

6- رُفع إلى السموات وجلس عن يمين اللَّه الآب؛

7- سيأتي ليدين الأحياء والأموات.

11- وأن المسيح سيتقبل قديسيه بعد استعادة الجسد من الموت؛

12- في متعة الحياة الأبديَّة، ومواعيد السماء، ويدين الأشرار بنار أبديَّة “.

—————-

4- القديس كبريانوس، من قرطاجنة (250م):

1- نؤمن باللَّه الآب،

2- وبابنه المسيح،

8- بالروح القدس،

9- أومن بغفران الخطايا،

12- والحياة الأبدية خلال الكنيسة المقدسة.

—————-

5 – نوفاتيان، من روما (250م):

1- نؤمن بالله الآب والرب ضابط الكل.

2- بابن الله، يسوع المسيح، الله ربنا،

8- بالروح القدس (الموعود به منذ القديم للكنيسة، وأعطي في الوقت المعين والمناسب).

—————-

6- العلامة أوريجانوس، من الإسكندرية (230م):

1- نؤمن بإله واحد، الذي خلق وأوجد كلّ شيء. الذي في آخر الأيام أرسل

2- ربنا يسوع المسيح. مولودًا من الآب قبل كل الخليقة.

3- مولودًا من العذراء ومن الروح القدس. تجسَّد وهو لا يزال اللَّه.

4- تألَّم حقًا، ومات،

5- قام من الأموات

6- ورُفع

8- الروح القدس، متَّحدًا في كرامة وجلال الآب والابن.

—————-

7- غريغوريوس أسقف قيصرية الجديدة:

1- نؤمن بالله الآب،

2- برب واحد. إله من إله، صورة وشكل اللاهوت. الحكمة والقدرة التي أوجدت كل الخليقة، الابن الحقيقيّ للآب الحقيقيّ.

8- بروح قدسٍ واحدٍ، خادم التقديس، فيه يعلن الله الآب، الذي فوق كلّ الأشياء، ويُعلن اللَّه الابن الذي هو خلال كل الأشياء. ثالوث كامل، غير منقسم ولا مختلف في المجد، والأبديَّة والسلطان.

—————-

8- لوقيانوس، أو لوسيان (مُعلم أريوس)، إنطاكية (300م):

1- نؤمن بإله واحد، الآب ضابط الكلّ، خالق كلّ شيء، والمعتني بكل شيء؛

2- وبربٍ واحدٍ يسوع المسيح اِبنه، المولود من الآب قبل كلّ الدهور، إله من إله، الحكمة، الحياة، النور.

3- الذي وُلد من عذراء حسب الكتب، وتأنَّس؛

4- الذي تألَّم من أجلنا،

5- وقام من أجلنا في اليوم الثالث؛

6- وصعد إلي السموات، وجلس عن يمين الله الآب؛

7- وسيأتي أيضًا بقوَّة ومجدٍ ليَدين الأحياء والأموات.

8- وبالروح القدس، المعطي للتعزية والتقديس والكمال للذين يؤمنون.

—————-

9- يوسابيوس، أسقف قيصرية (325م):

1- نؤمن بإله واحد، الآب ضابط الكلّ، خالق كلّ شيء، ما يرى وما لا يرى؛

2- وبربٍ واحدٍ يسوع المسيح، كلمة اللَّه، إله من إله، نور من نور، حياة من حياة، الابن الوحيد، بكر كلّ الخليقة، مولود من الآب قبل كلِّ الدهور، به كان كلّ شيء.

3- الذي من أجل خلاصنا صار جسدًا بين البشر؛

4- وتألم،

5- وقام في اليوم الثالث؛

6- وصعد إلي الآب؛

7- وسيأتي بمجدٍ ليَدين الأحياء والأموات.

8- نؤمن أيضًا بالروح القدس.

—————-

10- إقرار الإيمان كما قدمه أريوس الهرطوقي للملك قسطنطين!! (2)

وأخيراً نقدِّم إقرار إيمان أريوس الذي أثار زوبعة شديدة وعُقد بسببه مجمع نيقية، يقول أريوس في إقراره:

〈〈1- نؤمن بإلهٍ واحدٍ، الآب القدير؛ 2- وبالربِّ يسوع المسيح اِبنه، المولود منه قبل كلِّ الدهور، اللَّه الكلمة الذي به صنع كلّ شيء، ما في السموات وما علي الأرض. 3- الذي نزل من السماء وصار متجسِّدًا؛ 4- وتألَّم، 5- وقام ثانية؛ 6- وصعد إلي السموات؛ 7- وسيأتي ثانية ليدين الأحياء والأموات. 8- [ونؤمن] أيضًا بالروح القدس. 9- وبقيامة الجسد وحياة الدهر الآتي، وبملكوت السموات، 10- وبكنيسة اللَّه الواحدة الجامعة، الممتدة من أقصي الأرض إلي أقصاها.

الإيمان الذي استلمناه من الأناجيل المقدَّسة، حيث يقول الرب لتلاميذه – اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ.. وإذا كنَّا لا نؤمن هكذا ونقبل حقًا الآب والابن والروح القدس، مثل كلّ الكنيسة الجامعة وكما تُعلِّم الأسفار المقدَّسة (التي نؤمن بها ونوقِّرها جدًا)، فاللَّه دياننا الآن وفي الدينونة الآتية.〉〉

وتبدو هذه الصيغ العشرة للإيمان متشابهة ومتماثلة في جوهرها، بما فيها إقرارات إيمان لوسيان ويوسابيوس أسقف قيصرية وأريوس، إلي حدٍ كبيرٍ، والفروق بينها طفيفة جدًا وغير جوهريَّة‍‍. وجميعها مأخوذة من آيات الكتاب المقدَّس، أو مبنِّية علي أساس آياته الإلهيَّة.

وكان الخلاف بين آريوس ومن شايعه, وبقيَّة آباء الكنيسة ليس في لاهوت المسيح وحقيقة كونه اِبن اللَّه وإله الكون وخالقه ومدبِّره وديانه، وإنما في عبارة المولود من الآب قبل كلّ الدهور والتي آمن آباء الكنيسة أنَّها ولادة في ذات اللَّه الآب بلا بداية وبلا نهاية، مثل ولادة النور من النور، كقول الكتاب اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ (يو1/18). أمَّا آريوس فقد إعتقد أنَّ هذه الولادة قد بدأت في نقطة ما قبل كلّ الدهور! قبل الزمن والخليقة! بمعني أنَّه كان هناك وقت لم يكنْ فيه الابن! ثمَّ ولد اللَّه الابن بمعني أوجده قبل الزمان والخليقة ليخلق به الكون ويدبِّره!! مناقضًا بذلك قول المسيح نفسه أَنَا الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، الأَوَّلُ وَالآخِرُ (رؤ22/13).

—————-

11- كيرلس الأورشليمي (350م): (3)

1 – نؤمن بإله واحد، الآب ضابط الكل، خالق السماء والأرض، ما يرى وما لا يرى؛

2 – وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، مولود من الآب قبل كل الدهور، إله حق، به كان كل شيء؛

3 – تجسد وتأنس؛

4 – صلب ودفن؛

5 – قام في اليوم الثالث؛

6 – وصعد إلى السموات وجلس عن يمين الآب؛

7 – وسيأتي في مجد، ليدين الأحياء والأموات، ليس لملكه انقضاء؛

8 – وبروح قدس واحد، البارقليط الناطق في الأنبياء؛

9 – وبمعمودية واحدة للتوبة لمغفرة الخطايا؛

10 – وبكنيسة واحدة مقدسة جامعة؛

11 – وبقيامة الجسد من الموت؛

12 – وبالحياة الأبدية.

وفي نهاية بحثنا المبسط هذا نلاحظ بأن قيامة الجسد من الموت, كانت موجودة طوال الوقت في الفكر اللاهوتي الأسكندري حتى مجمع نقية, بل ونلحظ وجودها في نص إيمان آريوس الهرطوقي أيضًا, ولم تختفي إلا في نص الإيماني الغربي, وهذا يرجع إلى أن …. الغربيين كأمثال: كبريانوس من قرطاجنة, ونوفاتيان من روما, غريغوريوس من قيصرية الجديدة, ولوسيان (معلم آريوس) من أنطاكية, ويوسابيوس من قيصرية, لم يقصودوا تسجيل إيمان كامل بكل ما يؤمنون به, وهذا يتضح من كتابتهم اللاحقة التى تضمنت الأعتراف الصريح بإيمانهم بقيامة الجسد من الموت, إلا إن لاهوت الأسكندرية الحكيم المدقق, هو الذي كان معنياً … بالأعلان الصريح, لإيمان قيامة الجسد من الموت طوال الوقت!!!! 

==============

(1) Philip Schaff History of the Christian Church vol. 2: 536 – 537.
وأيضاً:⇐ قانون الإيمان للرسل – الدياديكية للقمص تادرس يعقوب ملطي ص 15 – 19.
(2) Socrates Church History 1: 26.
(3) Socrates Church History 1:26.

Leave a Comments

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات