قيامة المسيح  قوة لتجديد الحياة – القديس بطرس كريزولوغوس أسقف رافنَّا بإيطاليا

قيامة المسيح 
قوة لتجديد الحياة 
القديس بطرس كريزولوغوس
أسقف رافنَّا بإيطاليا
(406-450م) 

بامرأة كانت الخطية،

وبامراة أُعلِنَت القيامة (1):

«وَبَعْدَ السَّبْتِ، عِنْدَ فَجْرِ أَوَّلِ الأُسْبُوعِ، جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّـةُ وَمَرْيَمُ الأُخْـرَى لِتَنْظُرَا الْقَبْرَ» (مت 28: 1).

قديماً أسـرعت امـرأة إلى الخطية، وههنا أخيراً تُسـرع امرأة إلى التوبـة. في الصباح (فجـر الخليقة) عَلِمَت امـرأة أنهـا أَفسـدت آدم، وفي المساء (ليلة فجـر القيامة) هـا هي امرأة تبحث عن المسيح…

فبامرأة كانت بداية خيانة العهد من الفردوس، والآن تُسرع امرأة لتأخذ إيماناً مـن القبر. فتلك التي اختطفت الموت مـن الحياة، هـا هي الآن تُسرع لتحصل على الحياة من الموت!

«جاءت مريم»:

هذا هـو اسم أُم المسيح، فالتي أسرعت كانت أُمّاً بحسب اسمها. لقـد جـاءت كامرأة، حتى أن المرأة التي كانت قد صارت أُمّاً للذين يموتون، تصير أُمّاً للأحياء، لكي يتمَّ مـا جـاء عنها في الكتاب: «أَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ» (تك 3: 20)(2).

«جَاءَتْ مَرْيَمُ… وَمَرْيَمُ الأُخْرَى». لقد كانت المـرأة وسيطة للسقوط والهلاك، فكان لابـد أن تكون المرأة هي التي تُعلِن القيامة!

جاءت مريم لتنظر القبر:

لقـد خدعها (قديماً) منظر الشجرة، وهـا هـو منظـر القبر (الآن) يُجـدِّد حياتها. نظـرة غاشَّة أذلَّتها، فلابد لنظرةٍ خلاصية أن تُقيمها مرَّةً أخرى!

لماذا تزلزلت الأرض؟

«وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ، لأَنَّ مَـلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ» (مت 28: 2).

ارتعـدت الأرض، ليس لأن ملاكاً نزل مـن السماء، بل لأن سيِّد السماء صعد من الجحيم!

«وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ»: لقـد هـاج قلب الأرض، وقفزت أعماقها. فالأرض ارتعبت والجبال الهائلة ارتجفت، وأساسات الأرض تهشَّمت.

قُبِضَ على الجحيم، ولَزِمَ حدوده، وحُكِمَ على الموت؛ الموت الذي في انقضاضـه على البشر المُدانين، أسرع إلى قاضيه الرب؛ المـوت الذي بعد سيطرته الطويلة على عبيده، قام ضد سيِّده! الموت الذي صار رُعباً للبشر، تواجَه مع الله!

لذلك فقـد بادَت بحقٍّ سطوة الجحيم، وأُلغِيَت أحكامه. لقد انتُزِعَت مـن الموت قوَّتـه، وعقاباً له على شروعه في إيذاء قاضيه، أعاد الموت الأموات إلى الحياة، وسلَّم الأجساد التي كانت في قبضته. لقد أُرجِعَ الإنسان بجملته، وتجدَّدت حياته. والآن، يعود كـل شيء إلى توافُقـه معاً بالغفران، لأن حُكْم الدينونة قد تحمَّله عن البشرية رئيس الحياة!

«زلزلة عظيمة حدثت»:

آه لـو كـانت قد هبَّت في جنة عـدن قديماً زوبعة خفيفـة، وأُسقِطَت تـلك الشجرة الحاملة للمـوت! آه لـو كـانت سحابة مـن الدُّخان قد حَجَبَت الرؤيـة أمـام تلك المرأة (حواء)!

آه لو كانت سحابة مُظلمة قد غلَّفت تلك الثمرة المُميتة! آه لـو كانت اليد قـد ارتعشت عند لمسها للثمرة الممنوعة! آه لـو كانت ليلة حالكة قد أَظْلمت يوم الخطيـة، ونزعـت أحـزان العالـم والميتـات المُتضاعفة والإهانة للخالق!

ولكـن الإغراءات دائماً تؤدِّي إلى شـرور، والأشياء الحلوة تتقدَّم خطايا كثيرة. أمَّـا المطالب القاسية الشُّجاعة فتُفضي إلى الفضائل.

بقيامة المسيح وهزيمة الموت، دخل البشر مرَّةً أخرى في علاقةٍ مع السماء. وأكثر من ذلك، فإنَّ المرأة التي دخلت في تجربة مُميتة مع الشيطان، قد تمتَّعت الآن بحديثٍ مُحيي مع الملاك!

ماذا فعل الملاك؟

«لأَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ» (مت 28: 2).

هكذا قال الكتاب: «دَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ»، لأنه عندما «دَحْرَجَ (يوسف الرامي) حَجَراً كَبِيراً عَلَى بَابِ الْقَبْرِ» (مت 27: 60)، كان هذا بُرهاناً على موت الرب. وعندما دُحرِجَ (الحجر) عـن الباب، كان هذا بُرهاناً على قيامته.

مُبارَكٌ هـو الحجـر الـذي استطاع أن يخفي المسيح ثم يكشفه! ومُبارَكٌ أيضاً هو الحجـر الذي يفتح قلوباً ليست أقل عدداً من القبر! مُبارَكٌ هـو الحجـر الذي يُنشئ إيماناً بالقيامة، وقيامةً للإيمان، والذي هو بُرهانٌ على أنَّ الربَّ قد قام بالجسد!

هنا قـد تغيَّر نظام الأمـور. هنا يَبتَلِع القبرُ الموتَ لا إنساناً ميتاً، وهكـذا يصير مقرُّ الموت، موطناً لإعطاء الحياة! إنـه نوعٌ جديدٌ من الرَّحِم يحبل بواحدٍ ميت ويلده حيّاً!!

«دحرج الحجر عن الباب

وجلس عليه» (مت 28: 2):

الملاك لا يتعب، فلماذا جلس إذاً؟ لقد جلس كأستاذ للإيمان، ومُعلِّم للقيامة.

إنه جلس على صخرةٍ، وذلك لكي تُعطي صلابتها ثباتاً للذين يؤمنون! كان الملاك يضع أُسس الإيمان على الصخرة التي كان المسيح سيبني عليها كنيسته: «عَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي» (مت 16: 18).

«وكان منظره كالبرق» (مت 28: 3):

أليس ضياء البرق كافياً للملاك؟ فما الذي يُضيفه اللباس إلى الطبيعة السماوية؟ إلاَّ أنه بمثل هذا البهاء قد دلَّ على جمال ونموذج قيامتنا، لأن الذين يقومون في المسيح سوف يتغيَّرون إلى مجد المسيح!

ولماذا ارتعد الحُرَّاس؟

«فَمِـنْ خَوْفِهِ ارْتَعَدَ الْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ» (مت 28: 4). يـا لبؤس البشر! لقد صدمهم خوف الموت في نفس الوقـت الذي بُعِثَ فيه يقين الحياة. لكن، خُدَّام القساوة هؤلاء، ومُنفِّذو حُكْم شخص خائن (بيلاطس)، كيف يمكنهم أن يربحـوا إيمانـاً بأُمورٍ سماويـة؟ إنهم يحرسون القبر واضعين معوِّقات للقيامة، وجُـلُّ همهم أن يمنعوا الحياة مـن أن تجـد لها مدخـلاً إلى القبر بأيِّ حـالٍ، أو أن يحفظوا الموت مـن أن يُهلك، فصدمهم وصول الملاك بحـقٍّ، حتى انطرحوا على الأرض.

يـا لبؤس البشـر المائتين! إنهم دائماً أعداء لأنفسهم! إنهم يحزنون لأنهم لابد أن يموتوا، ومع ذلك فهُم يُصارعـون لكي يحرموا أنفسهم مـن القيامـة! وكـان أَحْـرَى بهم أن يفتحـوا القبرَ ويُجهِّـزوه بـأيِّ شيء ممكـن، ليُمهِّدوا السبيل للقيامة، لكي تنبعث معجزة من الجريمة، وينبثق رجاء من هذه العِبْرة، ويقين كامل بخصوص ذاك الذي عاد، مع إيمانٍ بالحياة العتيدة.

إنـه حقّاً لجنون مُطبق أَلاَّ يرغب الإنسان في الإيمان بما يشتهيه لنفسه!

———————–
(1) مُترجمة باختصار عن: The Fathers of the Church, Vol. 17, Sermon 74, pp. 123-127.
(2) تُسمِّي الكنيسة ”العذراء مريم“ في تسابيحها: ”أُم جميع الأحياء“ (ثيئوتوكية الثلاثاء).
————————–
 ”شرح إنجيل القديس يـوحنا“، الجـزء الأول، الأصحاح الرابع، ص 289.
”شـرح إنجـيـل القـديـس يـوحنـا“، 4: 23-24، مؤسَّسة القديس أنطونيوس.
”شـرح إنجيل القديس يـوحنا“، الجزء الأول، 4: 25، ص 297.
”شـرح إنجيـل القديس يـوحنا“، الأصحاح الرابع، مؤسَّسة القديس أنطونيوس.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات