لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضاً!

لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضاً!

الأصحاح التاسع من رسالة بولس الرسول الأولى لأهل كورنثوس

27 بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضاً.

يعرف الرسول بولس عدوه إبليس خير معرفة، وهو قادر بالسيد المسيح أن يضربه لا في الهواء بل بالصليب يحطمه.

المصارعون يبذلون كل الجهد وهم في غير يقين، إذ واحد فقط ينال المكافأة، أما في الجهاد الروحي فإن كل من يجاهد بالرب حتماً ينال إكليلاً سماوياً في يقين من جهة مواعيد اللَّه الصادقة.

لئلا يظن السامعون أن الرسول يفتخر متكبراً بسبب تنازلاته لأجل الخدمة وصراعه، يؤكد حرصه الدائم لئلا يهلك بالرغم من نجاح خدمته: “اقمع جسدي وأستعبده حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضاً انه لا يدخل معهم في منافسةٍ بل يجاهد حتى مع جسده!

إن كان هكذا يخشى الرسول هلاك نفسه بعد هذا الجهاد الطويل إذ كسب آلاف النفوس للسيد المسيح، فكم بالأكثر يليق بالمؤمنين خاصة الكهنة بكل درجاتهم الكهنوتية والخدام أن يجاهدوا لأجل خلاص أنفسهم وخلاص اخوتهم؟! نجاح الرسول بولس بتأسيسه كنائس جديدة وكسبه للنفوس ونشره للإنجيل ليس شهادة أكيدة لخلاصه، بل يلزمه الجهاد بنعمة اللَّه حتى النفس الأخير. إنه يقدم نفسه مثلاً لنا حتى لا ننخدع ونتهاون معتمدين علي نجاح خدمتنا السابقة أو الحاضرة. فما أخطر أن نقود الآخرين إلي الحياة الأبدية بينما ننحدر نحن نحو الهاوية في موت أبدي!

إن لم تضبط النفس والجسد بروح اللَّه القدوس، حتما يستعبد الجسد النفس. فالجسد خادم صالح للنفس وأن صار سيداً لها يصير عنيفاً.

+ القديس أغسطينوس [أنظر إلى الرسول بولس، ألا يبدو أنه ينتقم للشهيد إسطفانوس في شخصه عندما يقول: “هكذا أُضارِب كأني لا أضرب الهواءَ. بل أقمع جسدي وأستعبدهُ” (1 كو26:9، 27)، لأنه حينما كان يضطهد إسطفانوس وغيره من الشهداء كان يستعبد أجسادهم ويذلها، وكأنه انتقم لهم في ذاته باستعباده لجسده وقمعه له.] [1]

+ القديس أغسطينوس [الذي يخضع جسده لخدمة اللَّه يضع السراج على المنارة، فيكون التبشير بالحق في مرتبة أعلى وخدمة الجسد في مرتبة أدنى. ومع هذا فإن التعاليم تزداد وضوحًا بصورة محسوسة باستخدام الحواس الجسدية، أي عندما تُسخر الحواس المختلفة (اللسان والفكر وأعضاء الجسد) في التعليم، لذلك يضع الرسول سراجه على المنارة عندما يقول هكذا: “أُضارِب كأني لا أضرب الهواءَ. بل أقمع جسدي وأستعبدهُ حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضاً“.] [2]

+ القديس يوحنا ذهبي الفم [كثيرًا ما تحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن حرصه الشديد على خلاص نفسه وسط انشغاله بالخدمة وكثيراً ما حذر الأساقفة من تجاهلهم ذلك.] [3]

قبل الالتقاء بالسيد المسيح كان شاول (بولس الرسول) يتكل علي ماضيه كفريسيٍ بارٍ في عيني نفسه وأعين الشعب، بل ويظن أنه بار في عيني اللَّه. أما وقد أختبر الحياة الجديدة المقامة فصار ما يشغله الحاضر، فيسأل نفسه إن كان يسلك الآن كإنسان اللَّه المتمتع بحياة المسيح المقامة، كحياة حاضرة.

+ القديس يوحنا ذهبي الفم [إن كان بولس يخشى هذا وقد علّم هكذا كثيرين، وخشي ذلك بعد كرازته وصيرورته ملاكاً وصار قائداً للعالم كله، فماذا يمكننا نحن أن نقول؟ يقول: “لا تظنّوا أنكم لأنكم قد آمنتم هذا يكفي لخلاصكم. إن كان بالنسبة لي لا الكرازة والتعليم ولا كسب أشخاصٍ بلا عدد يكفي للخلاص ما لم أظهر سلوكاً غير معيب، فماذا بالنسبة لكم؟“.] [4]

+ العلامة أوريجينوس [تتغنّى العروس غضبوا عليّ، جعلوني ناطورة الكروم، أما كرمي فلم أنطره” (نش6:1). طبق هذا على بولس أو على أي قديس آخر يهتم بخلاص كل البشر، فترون كيف أنه يحفظ كروم الآخرين بينما إن لم يحفظ كرمه، أية خسارة تلحق به وهو يربح الآخرين.

كيف؟ فمع كون بولس حراً استعبد نفسه للكل لكي يربح الكل، إذ يصير ضعيفاً للضعفاء، ويهودياً لليهود، وكمن تحت الناموس لمن هم تحن الناموس وهكذا في كلمة، يمكنه أن يقول: أما كرمي فلم أنطره” (نش 6:1).] [5]

+ القديس أغسطينوس [عندما تضعون طاقتكم وغيرتكم موضع العمل، فإن كل ما تفعلونه سواء من جهاد في الصلاة أو الصوم أو العطاء والتوزيع للفقراء أو العفو عمن يؤذيكم كما أعطانا اللَّه من أجل المسيح؛ أو بضبط العادات الرديئة وتهذيب الجسد وإخضاعه [27]… هذا هو عمل السالكين الطريق المستقيم، الذين يرفعون أعينهم نحو الرب، لأنه يخلص أقدامهم من الشبكة” (مز 25: 2).] [6]

+ القديس أغسطينوس [صلوا بكل وسيلة حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضاً. وعندما تفتخرون لا تفتخروا بي بل بالرب.

فإنني مهما حرصت على نظام بيتي فأنا إنسان وأعيش بين الناس.

لست أتظاهر بأن بيتي أفضل من فلك نوح الذي وُجد فيه ثمانية أشخاص بينهم شخص هالك (يافث تك 9: 27).

ولا أفضل من بيت إبراهيم فقد قيل: “أطرد هذه الجارية وابنها” (تك 9: 27).

ولا أفضل من بيت اسحق فقد قيل عن ابنيه: “أحببت يعقوب وأبغضت عيسو” (ملا 1: 2).

ولا أفضل من بيت يعقوب نفسه حيث وُجد فيه رأوبين الذي دنس مضطجع أبيه (تك 49: 4).

ولا أفضل من بيت داود الذي فيه أحد أبنائه سلك بغباوة مع أخته (2 صم 13: 4)، وآخر ثار ضد أبٍ كهذا مملوء حنواً مقدساً.

ولست أفضل من أصدقاء بولس الرسول الذي ما كان يقول: “من الخارج ومن الداخل مخاوف لو أنه كان لا يعيش إلا مع أناس صالحين، ولما قال عند حديثه عن قداسة تموثاوس واخلاصه: “لأنه ليس لي أحد آخر نظير نفسي يهتم بأحوالكم بإخلاص، إذ الجميع يطلبون ما هو لأنفسهم

كان مع الاثنى عشر الصالحين الذين مع يسوع يهوذا اللص والخائن.

وأخيراً لست أفضل من السماء فقد سقط منها ملائكة.] [7]

+ القديس يوحنا ذهبي الفم [من يريد أن يكون معلماً يلزمه أولاً أن يعلم نفسه. فكما أن من لم يصر جندياً صالحاً لا يقدر أن يكون قائداً، هكذا أيضاً بالنسبة للمعلم لذلك يقول: “حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضاً”.] [8]

+ القديس جيروم [لتكن نفوسنا هي الآمرة وأجسادنا الخاضعة, عندئذ يأتى المسيح حالا ويجعل مسكنه فينا.] [9]

+ أمبروسياستر [لكي نقمع الجسد نصوم ونتجنب كل أنواع الترف. يظهر بولس أنه يقمع جسده حتى لا يفقد المكافأة التي يكرز بها للآخرين.] [10]

+ القديس أغسطينوس [بولس يؤدب ما هو له وليس ذاته, فإن ما يخصه (الجسد) شيء وذاته شيء آخر. أنه يؤدب ما له حتى إذ يصلحه يبلغ إماتة الشهوات الجسدية.] [11]

+ كاسيودورس [حررنا يا محب البشر من الخطر الذي يشير إليه بولس, أنه وهو يبشر للآخرين يصير هو نفسه باطلاً.

أنت بالحق تعرف من نحن.

أنت تعرف طبيعة العدو الذي يضغط علينا. ففي معركتنا غير المتكافئة وضعفنا وموتنا نطلبك,

فإن لجلالك المجد متى غُلب الأسد الزائر بقطيع ضعيف.] [12]

لقد وضع الرسول بولس بهذه الفقرة (من آية 22 وحتى 27 ) مبدأه في الحياة الروحية السليمة, وهو بإيجاز: أن يبذل بلا حساب من جانبه من أجل خلاص النفوس مهما كلفه الثمن. وإنه في حالة مصارعة تنتهي بنوال إكليل سماوي لا يفنى (1كو 22:9-27), وفي أختصار ووضوح بذل الذات من أجل بنيان النفوس“.

———————–

 تَفْسِير رِسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ الأُولَى إِلَى أَهْلِ كُورِنْثُوسَ ــ القمص تادرس يعقوب ملطي.

[1] Sermon on the Amount 1:22:77

[2] Sermon on the Amount 1:6:17

[3] In 2 Thess. PG 62: 498

[4] In 1 Cor. Hom. 23:2

[5] The Song of Songs, Hom. 1:7. (ACW)

[6] Ep. 48:1

[7] Ep. 78:8

[8] In 1 Tim., hom. 5

[9] Homily 9 Fathers of Church 48:67

[10] CSEL 81:106-107

[11] Against Julian 24

[12]  Cassiodorus: Explanation of the Psalms, Prayer ACW53:468-69

—————————————

وللعودة لبداية هذا الموضوع الهام

↓↓ أضغط على الصورة ↓↓

كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ!

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات