(9) جمود الشريعة والمبادئ المثالية

بحث واقعي

لحقيقة واقعنا الكرازي المعاش والمبادئ المثالية

المعطى التاسع:

جمود الشريعة والمبادئ المثالية

يجب أن نعلم بدايةً بأن المبادئ المثالية في صورتها النقية المطلقة هي حلم الفلاسفة والمفكرين المثالين, ولا وجود لها حقيقي في حياتنا النسبية, بل هي توجد فقط كرجاء وكأمل يرتقب, وهدف يُسعى إليه بهمة الراكضين! أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَرْكُضُونَ فِي الْمَيْدَانِ جَمِيعُهُمْ يَرْكُضُونَ، وَلكِنَّ وَاحِدًا يَأْخُذُ الْجَعَالَةَ؟ هكَذَا ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا. 1كو 9: 24

فيستطيع الإنسان أن ينال من هذه المبادئ المثالية المطلقة جزءاً يسيراً بقدر أستيعابه الروحي والوجداني, وبمقدار تعارض هذه المثاليات مع مصالح حياته الواقعية, وأيضاً بمدى أستعداده الجدي ليتخلى عن إنسان ذاته العتيقة المائتة بالمعمودية, والحية بالسلوك العملي الفعلي.

كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ، لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ، 1بط 1: 14 وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ. رو 12: 2

لذا فبكل يقين يمكن أن تكون المبادئ المثالية اللاهوتية هي الخيال الجميل لواقع كنسي سلوكي مشوة تماماً … وهنا يجب أن يُدق نَاقُوسُ الخطر بأعلى تحذيراته, حيث أن لاهوت المثاليات لا يمكن له أن يعبر عن واقع سلوكي مشوة بالخطية والكبرياء والأنانية…., فكل الرزائل تتجاهلها المثاليات, بل وتحتقرها ولا تتعامل معها, وتقلل من شأنها وتأثيرها في حياتنا اللاهوتية, لأن مثالية العلم اللاهوتي أسمى من أن تنزل إلى الحضيض والتراب والْمُزْدَرِيٌ, إلا إن كل هذه الْمُوبِقَات الأنسانية موجودة بالفعل والحقيقة في حياتنا الكنسية. ويدل على هذا التقصير الحياتي المتأصل في العلوم اللاهوتية عدم وجود لاهوت فناء الخطية في لاهوتياتنا التعليمية الأكاديمية!!

ولهذه الأسباب … فالصراع قائم وحتمى بين واقع قوانين الشريعة الجامدة, وبين مثاليات المبادئ اللاهوتية, فإن انتصرت الشريعة صارت حياة الإنسان إلى ركود القوانين الجامدة وإلى حفظ الممارسات الخاطئة التي لا تتغير ولا تتبدل, لأنها تجد لنفسها في ثغرات القانون طريقاً ممهداً لبقائها.

أما إن أنتصرت المبادىء المثالية في صراعها تحولت حياة الإنسان إلى الوهم والخداع, ليحيا مخدوعاً بمثالية جميلة لا يتذوقها بلسانه, فيتكلم بالمثاليات المطلقة ليوهم نفسه بأمكانية البقاء متحضراً راقياً, لان واقعه المحدود الرافض لكل مطلق يفرض وجوده الثقيل عليه, فيتمسك بمبادئ مطلقة لا تستطيع أن تحكم واقعه, لأنها بكل بساطة ليست في يديه, فالمطلق لم يوهب له بعد, لتنتهي حياته بلا ثمر حقيقي واقعي للتغيير والنعمة, فينقطع سلسال نسب التوبة والصلاح والتقوى والقداسة بالواقع الكنسي المعاش. ليدخل الواقع السلوكي للكنيسين الى خداع التقوى المزيفة!

أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ. 1يوحنا 2:3 وأتمام الخلاص الكامل هو في اتمام الوحدة التامة بين الواقع والمبادئ المطلقة, إلا أن هذا لن يكون في هذا العالم النسبي على الإطلاق, بل سيكون لنا فقط عندما نراه كما هو وجهاً لوجه, لأنه حينها فقط سنكون مثله.

إذاً لا مناص من إعادة الميزان من جديد لحياتنا الكنسية, لإعادة التوازن بين ما نرجوه وما نأمله من مثل عليا, وبين ما نحياه في الواقع المحكوم بالكثير من القوانين والشرائع والتي من المستحيل تجاوزها, والمحكوم أيضاً بالكثير من الرزائل والتجاوزات والسقطات, وهذا التوازن الضروري هو الذي يضمن البقاء في الحياة المقدسة والأرتقاء للأفضل في ذات الوقت.

وما يدعوا للأسف فعلاً في حياتنا الكنسية هو محاولة العلوم اللاهوتية الغربية بل تجرأها الفعلي على خلط مخجل بين ثوابت تاريخ الخلاص وحياة الآباء, وأقدامها على تقديم تشريح مميت للتاريخ الحاضر, ليفصل عن واقع حياة الكنيسة منذ آدم, ليحبس فيحكم عليه بمثاليات فلسفية ليس لها من صدى واقعي في الحياة الليتورجية الشرقية, فبقصر النظر المعدي تَجَاهَلَ الغربيين خطة الله التي للخلاص منذ البدء, النامية المتطورة دائماً المتناسبة مع زمنية الإنسان وتطوره الحضاري.

 فعداء المثالين الغربيين الفلاسفة للتاريخ مؤكد, لأن ميزان المثالية لا يعترف بشرعية نواقص وأخطاء التطور التاريخي الحضاري, فالميزان المثالي لديهم دائماً يبدأ من النقطة صفر وهي الآن, لذا فالكنيسة الغربية المُصلحة تحتقر تاريخها, فهي غير قادرة على فحص حقيقي لتاريخ نشأتها, وكأن اللاهوتين الأصحاء هم من يستطيعوا أن يفقدوا الذاكرة! ليقدموا صورة مختزلة مبتزلة لتاريخ الخلاص! فالعدالة المثالية عندهم أن تدان أخطاء الماضي بمثالية الحاضر!! وهكذا تقطع أوصال الجسد الواحد الممتدد من أعماق أعماق التاريخ حتى وصل إلينا ليضمنا جميعاً في تاريخية الجسد الواحد!

وهذا هو علة أنحدار بل أنعدام الخلق الخلاصي الذي للكنسيين المعاصرين. فالأنسان الذي بلا تطور خلقي تاريخي متدرج للخلاص, يقع ضحية لذات الْمُوبِقَات الأولي التي للأنسان العتيق. وبكل وضوح وأختصار هذا هو حال الكنيسة الغربية المبشرة بخلاص يفوق الأخلاق!!

ولكي تتضح الصورة الكاملة لما نرتكبه من أبتزال لجذور حاضرنا علينا أن نسأل بدايةً:

+ هل يمكن إطلاق تعبير الشريعة على جمود قوانيننا الكنسية في العصر الحديث؟!

ــ هذا بكل تأكيد لا يمكننا ذلك, لأن شريعة العهد القديم قد أنتهت بمجيء المسيح منتهي رجاء كل الأجيال, وقد تم التأكيد على أنتهائها نهائياً بلا رجعة للأبد بحكم وفصل الرسل أنفسهم في هذا الأمر, عندما حاول المتهودون أن يعودوا لممارسة الشريعة الموسوية مرة أخرى, فهذا الأمر قد فُصِلَ فيه فَصلاً نَهائياً بعدم جواز ممارسة الشريعة الموسوية في العهد الجديد عهد النعمة!

+ إلا إن السؤال في عصرنا المعاصر هو: هل يمكن أعادة أستخدام لفظ الشريعة الموسوية إلى حياة الكنيسة؟ لنطلقه علي الممارسات الخاطئة الموجودة في حياتنا الكنسية؟

ــ حقاً لا يجوز لنا أن نطلق على الممارسات الكنسية الخاطئة والقوانين الظالمة ــ إن وجدت ــ لفظ شريعة العهد القديم, فمهما كانت تلك الأخطاء الظاهرة في الممارسات أو الطقوس, لا يمكن تسميتها بنفس المصطلح الإنجيلي الذي أطلق على حالة خاصة جداً ليس لها من وجود حقيقي في حياتنا الآن, فالمصدر التاريخي لهذه الحالة قد أنتهى تماماً, فلا يوجد لدينا يهود يؤمنون يرغبون في تطبيق الشريعة اليهودية في حياتهم المسيحية الجديدة. لذا لا يجب الخلط بين الشريعة الموسوية القديمة وبين تراثنا الكنسي الشرقي الذي يحمل الكثير من العهد القديم, وإلا فقد جَرمنَا تاريخ آباء الكنيسة الممتدد لأكثر من عشرين قرناً!

ــ فوجود الفريسيون والسامريون والصدقيون والقراءون والحسيديون واليهود المحافظون والمصلحون والتقليديون والكثير من الأطياف اليهودية الأخرى في حياة الكنيسة الاولى قد أستدعي من الرسل أن يفصلوا في هذا الأمر فَصلاً قاطعاً نهائياً بلا رجعة فيه, لكي يستطيعوا أن يحافظوا على الكنيسة بإيمانها النقي الذي للعهد الجديد عهد النعمة والخلاص الذي بيسوع المسيح مكمل الناموس. وهذا الواقع  التاريخي لتطبيق شريعة موسى لا يتوافر واقعياً في حياة مجتمعاتنا الكنسية المعاصرة.

أما الممارسات الكنسية الخاطئة مهما كانت فلا يمكن تسميتها بالشريعة الموسوية لعدم توافر الحدث التاريخي الواقعي الذي يثبت وجود تطبيق حقيقي لشريعة موسى, والتي بالفعل لا يمكن تجزئتها أثناء تطبيقها الواقعي, فشريعة موسى لا يمكن الأنتقاء من بين قوانينها, فمن أخطأ في واحدة صار مجرماً في الكل, لذا لا يمكن نهائياً أستعارة تسمية ما مهما كانت قانونيتها, كأسم قديم بدون تضمين فحواه ومضمونه المنشأ لوجوده, وإلا أعتبر خداعاً وغشاً, ولذا فحسبان الأخطاء الموجودة حالياً في الممارسات الكنسية كشريعة موسي تحسب كأفتراض تخيلي فكري يفتقر للسند التاريخي الحياتي الحقيقي.

(ومازال هناك الكثير من الأسئلة إلى المثالين, مختزلي الواقع الكنسي بمثالية الفلاسفة!)

_____________________

كما يمكن التعرف على مشكلة الإصلاح الثوري كبداية لفهم حقيقي لمشكلة المبادئ المثالية

الواقع والمبادئ (1) الإصلاح الثوري

↓↓ أضغط على الصورة ↓↓

(1) الإصلاح الثوري

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات