لا يجب علينا أن نًضعَّ هويتنا في المزاد العلنيّ!

البابا فرنسيس:

لا يجب علينا أن نًضعَّ هويتنا في المزاد العلنيّ!

– “إن المطالبة بالوحدة والفكر الموحّد، هذه الأنسنة (البشرية) التي تأخذ مكان يسوع، الذي هو الإنسان الحقيقي وحده، تدمر الهوية المسيحية. لا نَضعَّوا هويتنا في المزاد العلنيّ”.

هذه هي الدعوة التي وجّهها قداسة البابا فرنسيس في عظته مترئسًا القداس الإلهي صباح اليوم الاثنين في كابلة بيت القديسة مرتا بالفاتيكان.

كما تخبرنا القراءة الأولى من سفر المكابيِّين عن “عُرقٍ أثيمٍ” خرج في تلك الأيام: الملك أنطيوكس الذي َأَطلَقَ َلشعب إسرائيل أَن يَصنَعوا بِحَسَبِ أَحكامِ ٱلأُمَم الوثنية، وشعب إسرائيل هو الشعب المختار، أي الكنيسة في ذلك الوقت.

تابع البابا فرنسيس شارحاً صورة “العرق” أي “الجذر” الذي يمتدُّ تحت الأرض، وقال هذه هي خصائص الجذر: لا يمكننا رؤيته! وبالتالي يبدو أن تجاهله لا يؤذي, ولكنه ينمو فيما بعد ويُظهِر حقيقته الهامة والأساسية!!

لقد كان أختفاء الجذور “أي الأصول العرقية” عن الإدراك المباشر سبباً مُقنعاً دفع بعض الاسرائيليين للتحالف مع الأمم الوثنية القريبة منهم لتتمَّ حمايتهم، فراحوا يقولون فيما بينهم: لماذا هذا الاختلاف؟ فإنا مُنذُ ٱنفَصَلنا عَنهُم، لَحِقَتنا شُرورٌ كَثيرَة. لنذهب إليهم ولنشابههم!!!

ويشرح البابا هذه القراءة بثلاث كلمات: روح العالم، ارتداد وإلحاد، وآخيراً أضطهاد. فروح العالم يدفعنا لنقوم بما يقوم به العالم، أي كمن يقول: “لنضع هويتنا في المزاد العلني لأننا جميعنا متشابهين”. هكذا ترك العديد من الإسرائيليين إيمانهم وابتعدوا عن العهد المقدّس. وما بدا لهم مُقنعاً – إن كنا كالباقين فسنكون طبيعيين – أصبح دمارهم.

تابع البابا فرنسيس يقول بعدها “َكَتَبَ ٱلمَلِكُ أَنطيوكُسُ إِلى مَملَكَتِهِ كُلِّها، بِأَن يَكونوا جَميعُهُم شَعباً واحِداً – الفكر الموحّد، روح العالم – وكل فرد يترك عاداته وتقاليده. فَأَذعَنَتِ ٱلأُمَمُ بِأَسرِها لِكَلامِ ٱلمَلِكِ، وَكَثيرونَ مِن إِسرائيلَ ٱرتَضوا دينَهُ، وَذَبَحوا لِلأَصنامِ وَدَنَّسوا ٱلسَّبت: هذا هو الارتداد والإلحاد. أي روح العالم يحملك على الفكر الموحّد وعلى الإلحاد. لا يُسمح بالاختلافات: الجميع متساوين. وقد رأينا في تاريخ الكنيسة كما في تاريخ العالم أنه قد تم تغيير اسم الأعياد الدينية، وأفكر بحالة معينة وهو عيد ميلاد الرب الذي أصبح يُعرف باسم آخر، لكي تُمحى هويّته.

تابع الحبر الأعظم يقول “وَكانوا يُقَتِّرونَ عَلى أَبوابِ ٱلبُيوتِ وَفي ٱلسّاحاتِ. وَما وَجَدوه مِن أَسفارِ ٱلشَّريعَةِ مَزَّقوهُ وَأَحرَقوه بِٱلنّارِ. وَكُلُّ مَن وُجِدَ عِندَهُ سِفرٌ مِنَ ٱلعَهدِ أَوِ ٱتَّبَعَ ٱلشَّريعَةَ، كانَ مَقتولاً بِأَمرِ ٱلمَلِكِ” وهذا هو الاضطهاد الذي بدأ بسبب “العرق الأثيم”. لقد أثّر بي على الدوام كيف أن الرب في العشاء الأخير وفي تلك الصلاة الطويلة التي رفعها صلى من أجل وحدة خاصته وطلب من الآب أن يحررهم من روح العالم، لأن روح العالم يدمّر الهوية؛ روح العالم يحمل على الفكر الموحد. يبدأ بعرق صغير وينتهي في اليأس والاضطهاد.

هذا هو خداع روح العالم ولذلك يطلب يسوع من الآب في ذاك العشاء “لا أَسأَلُكَ أَن تُخرِجَهُم مِنَ العالَم بل أَن تَحفَظَهم مِنَ الشِّرّير” أي أحفظهم من هذه الذهنية وهذه الأنسنة التي تأتي لتحل مكان الإنسان الحقيقي يسوع المسيح، وتأتي لتسلبنا هويتنا المسيحية وتحملنا على التفكير الموحّد: “هكذا يتصرّف الجميع لماذا لا نتصرف هكذا نحن أيضاً؟”

لكن ما يحدث في هذه الأزمنة ينبغي أن يجعلنا نفكر: “ما هي هويتي؟” هل هي مسيحيّة أو دنيويّة؟ هل أعتبر نفسي مسيحيّاً فقط لأنني نلت سرّ المعمودية في طفولتي ولأنني ولدت في بلد مسيحي حيث جميع الناس هم مسيحيّون أيضاً؟ إن روح العالم الذي يدخل ببطء ينمو ويبرّر ذاته ويعدي: ينمي كذاك العرق ويبرّر ذاته قائلاً: “بهذه الطريقة نحن نتصرف مثل بقية الناس وبالتالي لسنا مختلفون عنهم” – فروح العالم يسعى دائماً لتبرير ذاته وفي النهاية يعدي ومنه تنبثق شرور كثيرة.

وختم البابا فرنسيس عظته بالقول تدعونا الليتورجية في هذه الأيام الأخيرة من السنة الليتورجية لنتنبّه للعروق السامة التي تحملنا بعيداً عن الرب. لنطلب من الرب من أجل الكنيسة، لكي يحفظها الرب من روح العالم بجميع أشكاله، ولكي تحافظ الكنيسة على الدوام على الهوية التي نالتها من يسوع المسيح ونحافظ نحن بدورنا على الهوية التي نلناها في المعمودية ولكي لا نتخلى عن هذه الهوية لنكون مثل الآخرين. ليمنحنا الرب هذه النعمة فنحافظ على هويتنا المسيحية ونحرسها من روح العالم الذي ينمو على الدوام ويبرِّر ذاته ويعدي.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات