القديسة الشماسة “أولمبياس”

olympia 1يحسن بنا أن نورد مقتطفات سريعة من حياة هذه القديسة الشماسة المباركة, لما لها دوراً هاماً في حياة الكنيسة عامة, وفي حياة القديس يوحنا ذهبي الفم خاصة, لنستطيع أن نتفهم روح الرسائل التي أرسلها إليها ق. يوحنا من منفاه, لنصل إلى أهداف رسائله إلى “أولمبياس”, فلا نقدم على خلط أوراق الأحداث, فَيُستنطق التاريخ عنوة بما ليس فيه!

تنتمي “أولمبياس” في الاصل إلى الطبقة العليا في القسطنطينة, ولدت حول عام 368م وكان والدها “سيليكوس” موظفاً في البلاط مرموقاً. مات والدها وتيتمت باكراً وتولى الوصاية عليها عمها “بروكوبيوس” أحد الولاة في القسطنطينة. وعهد بتربيتها إلى “ثيؤدوسيا” أخت القديس “أمفلوكوس” أسقف أيكونيا. وتعد “ثيؤدوسيا” من نساء ذلك العصر ذوات الثقافة العالية جداً, المنغمسات في مطالعة الكتب المقدسة.

ويظهر أن التعمق في دراسة الكتب المقدسة كان لنساء ذلك العصر الوسيلة الكبرى للتكوين الثقافي والأخلاقي. ويظهر لنا المؤرخ “بلاديوس” أن “أولمبياس” في أستجابة تامة لهذا التوجيه [تابعة لتعاليم الكتب الإلهية في كل شئ] (1)

يذكر المؤرخ “بلاديوس” من كان له تأثير في بدايات حياة “أولمبياس” الروحية, فيشير إلى تأثرها الشديد بالقديسة “ميلانية” الكبرى, التي كتب عنها “بلاديوس” ممتدحاً إياها بصورة فائقة في كتابه التاريخ اللوزياكى (2). فلقد كانت القديسة “ميلانية” الأسبانية الأصل, مُحبة للبتولية والرهبنة في نسكٍ عجيبٍ, وعلاوة على التقشفات الجسدية التي كانت قاعدة ثابتة متبعة عند نساك مصر, كانت تتميز أيضاً القديسة الأسبانية بقدرة فائقة على الإطلاع, إذ يقول عنها: [حولت الليل نهاراً، تفتش كتابات المفسرين القدامى، قرأت ثلاثة ملايين سطراً لأورجينوس، ومليونين ونصف لأغريغوريوس وأستفانوس وبيروس وباسيليوس وغيرهم ـ من العظماء ـ لم تكن تقرأ هذا مرة واحدة فقط ولا في عجالة، إنما تدرس كل عمل في دقة سبع أو ثمان مرات. وهكذا استطاعت بفضل هذه الكتب، أن تتحول في رجاء صالح إلى طائر روحي منطلق نحو المسيح.] (3)

زواجها

و”أولمبياس” أيضاً صممت بدورها على حياة توبة مخصصة لتتأمل الكتب المقدسة. وقد كسبت عن ق. “ميلانية” روح القراءة والحكمة, أما “ثيؤدوسيا” فقد هيأتها لهذا النوع من الحياة أكثر مما هيأتها لحياة القصر الفخمة, حتى قيل أنها أختلفت عن النساء الشريفات اللواتي كن يحطن بالأمبراطورة “أفذوكسيا” المستهترات الغانيات اللواتي تميزن بالخفة والاهتمام الزائد بالملبس مع السلوك الشرير, إلا أن “أولمبياس” كانت تظهر وكلها طهارة وتعقل كأنسانة تقية حكيمة.

هكذا يمكن أن نتصور “أولمبياس” وهي بعد في السادسة عشر من عمرها, تحمل سمات طيبة مع غناها, كما أشتهرت بجمالها أيضاً, فتقدم لها “تبريديوس” والي القسطنطينية ليتزوجها في أواخر عام 384م. والقديس يوحنا ذهبي الفم يُذكر دائماً بسلطان النساء القائم على ثقافة أسرية قوية. [يجب على النساء أن يكن فلاسفة أكثر من الرجال (ومن المعلوم ما تكشفه كلمة فيلسوف لمسيحي القرن الرابع هو: العلم والكمال الأخلاقي) وذلك لأنهن ملازمات البيت بواجبات الخدمة.] (4)

وقد أكد القديس سلطان تأثير المرأة على زوجها: [ما من شئ أقوى من المرأة التقية والمثقفة في وضع زوجها موضع الموافقة لها وفي صناعة نفسه كما تشاء.] (4)

هكذا كان يقول ذهبي الفم وكذلك غريغوريوس يشددا على دور المرأة الحكيمة التي تكون تعزية لزوجها وبرداً وسلاماً على قلبه. وكما يُروّض الأسد الهائج ويٌعاد إلى الهدوء, هكذا تجلب المرأة الهدوء لزوجها بلطفها. وعليها أن تحرر قلبه من كل هم. وإذا كان هذا التكليف ثقيلاً على فتاة في الثامنة عشر من عمرها, فهذا يعني أن المسيحية حين تعهد إلى المرأة العناية بنفس زوجها, فإنما تنتدبها إلى مرتبة أسمى لم تكن معروفة للعالم الوثني في ذلك الحين.

ولم يكن “لأولمبياس” الوقت الكافي لكي تضع هذه النصائح الصائبة في موضع التطبيق. فكانت فترة زواجها عشرين شهراً فقط, إذ مات زوجها “تبريديوس” في عام 386م.

وهنا تختتم المرحلة السعيدة من حياتها, لتبدأ مرحلة مغايرة تماماً لم تعرف فيها سوى العذاب والكفاح والحزن.

أضطهاد الأمبراطور لها

أن الأمبراطور “ثيؤدوسيوس” كان يتمنى أن يراها متزوجة من جديد. وقد عين لزواجها أبن عمه “ألبيديس” أصله من أسبانيا. أما هي فكانت ترفض فكرة الزواج مرة أخرى! إلا أن الأمبراطور كان عنيداً فأصَّر على موقفه. وكان جواب “أولمبياس” جواباً صارماً محدداً كما كانت فيما بعد كل كلماتها التي لفظتها أمام المحاكم: [لو أراد لي الله أن أعيش مع رجل لما أخذ زوجي الأول!].

وإذ استشاط غضب الأمبراطور, أمر بمصادرة كل أملاكها حتى بلوغها الثلاثين من عمرها. ويضيف والي المدينة خادم الملك الغيور إلى قرار المصادرة, منعها من الأتصال بالأساقفة القديسين, وقد منع أيضاً ترددها على الكنيسة. وكان يأمل من ذلك عودتها إلى الزواج بطريق التعجيز والأكراه. (5)

وقد كتبت “أولمبياس” إلى الأمبراطور “ثيؤدوسيوس” تشكره أنه رفع عنها نير أموالها, وإنه بالأحرى يكمل سرورها بالأكثر لو أمر بتوزيع أموالها على الفقراء. (6)

وتجئ الفرصة لتقتدي بالقديسة “ميلانية” العظيمة, ويثمر الأقتداء بها خير الثمار الروحية. فرصة جميلة (تجريدها من أملاكها) لممارسة حياة التقشف والأماتة عن كل نوع رفاهية كناسكة حقيقية, الحياة التي يقتضيها الفقر الحقيقي. قائلة: [كنت منذ زمن طويل أطلب من الله أن يحفظني من المجد الباطل الذي تجلبه ممارسة الإحسان.] (4)

خدمة “أولمبياس” الشماسة

وفي نهاية أربع سنوات وبعد عودة الأمبراطور من غزو البانومي, وبعد أن سمع بأخبار نشاط “أولمبياس” في ممارسة حياة التقشف والتوبة, رد إليها أملاكها وحريتها. وجعلت ذاتها من ذلك الوقت كلياً في خدمة الله والمحتاج. وأعطتها ثروتها الكثير من وسائل أمكانيات العمل والتأثير في حياة الأخرين.

وكانت “أولمبياس” قد جذبت إلى تبعيتها عدداً كبيراً من كن متزوجات, وعدد كثير أخر من سيدات من أسر مجلس الأعيان, التقين جميعاً بنفس واحدة في أتضاع خدمة التكريس, على نفس الرغبة في الحياة الروحية. ومؤرخ حياة “أولمبياس” يعجب: “بزهدهن وأسهارهن المتواصلة وتسابيحهن المستمرة للخالق وشكرهن.(4)

هؤلاء كن متعاونات مع القديس يوحنا ذهبي الفم في كل أعمال البر والأحسان لخير الكنيسة. أما “أولمبياس” فكانت متعلقة بكلامه, مستجيبة لتأثيره وإيحائه, معتنية بحفظ ثيابه وتدبير طعامه البسيط (صائرة له مثل “تكلا” تلميذة بولس.) (4)

وهكذا صارت “أولمبياس” محبوبة من الشعب ومُكرمة أيضاً من الأب البطريرك, فأن الطوباوي “نكتاريوس” كان يكرمها جداً, ويستشيرها في بعض شئون الكنيسة رغم صغر سنها (7). وقد لخص لنا حياتها المؤرخ “بلاديوس” بقوله: [وزعت كل أموالها ومقتنياتها على المحتاجين. صارعت من أجل الحق, هذبت نسوة كثيرات, تناقشت مع كهنةٍ في وقارٍ, كرمت أساقفة, وأستحقت أن تكون معترفة في سبيل الحق, فإن الذين يعيشون في القسطنطينية يحسبونها ضمن المعترفات والمعترفين, إذ ماتت ورحلت إلى الرب في كفاحها من أجل الله.] (8)

هدف رسائل القديس إلى “أولمبياس”

أمتاز القديس يوحنا مع شدته وحزمه الذي كان أحياناً يصل إلى العنف, بمحبته العميقة لمن يلتقي بهم وبرقة مشاعره, وإتساع قلبه, ونستطيع أن نتلمس هذه الأحاسيس في رسائله السبعة عشر إلى “أولمبياس”. فلما نفي ذهبي الفم إلى المنفى الثاني, أثر ذلك في “أولمبياس” أثراً بالغاً بحزن وهم ثقيل, ليستولى عليها حزناً شديداً, عذبها وأضعف جسدها, وكادت أن تشك وتقع في اليأس التام. وهنا يتولى القديس يوحنا معالجة حزنها وتشككها ويأسها بواسطة تلك الرسائل البديعة من منفاه البعيد المرير, هذه الرسائل التي يجب أن تحتل مكاناً فريداً في تاريخ أدب الرسائل.

وهكذا قد جاءت رسائل القديس يوحنا ذهبي الفم  لتعزية “أولمبياس” وبعث الأمل من جديد في قلبها الحزين, فتلك الرسائل تصلح لأن تكون وصفات طبية ناجعة في شفاء النفس من الحزن واليأس والعذاب.

الألم الذي في هذه الرسائل هو آلالم “أولمبياس” الغير متعزية, وكل الشكوي والعتاب ليس إلا أن “أولمبياس” لم تتخلص من الأضطراب والقلق. لأنه على العكس من ذلك: فرح عظيم عند القديس أن تكون صديقة نفسه متشجعة راضية.

فقد شعر القديس يوحنا بالالتزام الروحي والأدبي أن يكتب لها يحذرها من “الحزن المفرط” على الكنيسة وعليه وعلى هلاك الآخرين، مميزًا بين الحزن المفرط أو القنوط وبين المخافة المقدسة المملوءة رجاء كما اضطر أن يمدح فضائلها لكي يغير نظرتها ويوجهها نحو المكافاءات السماوية. [هذا الحزن، علاوة على أنه باطل ومفرط فهو أيضاً ضار ومهلك. أما المخافة التي حدثتك عنها، فهي هامة ونافعة وبناءة، هي ينبوع فوائد كثيرة.] (9)

لذا فمن الخطأ نسب هذه الرسائل إلى الظلم الذي شعر به القديس يوحنا في منفاه من جراء نفيه ظلماً بعيداً عن موطنه. فالقديس لم يكتب رسائله إلى “أولومبياس” شاكياً لها الظلم الذي قد وقع عليه ليتم نفيه بهذا الشكل, بل قد كتبها لتشجيع صديقة نفسه, ومحاولته لأزالة الحزن عنها, بأعطائها ظلم حياته كمثال لتقبل هي الحزن والظلم الخاص بها, ليترفق بنفسها الرقيقة لأبعد حد حتي لا يبتلعها اليأس التام. فلم يكن يوحنا يشتكي من ظلم وقع عليه, بل كان معالجاً ليأس قد أَلَمَ بتلميذته العزيزة, التي كاد أن يقضي عليها ويغير مسار حياتها. 

فهذه الرسائل الموجهة إلى “أولمبياس” هي من بين رسائله تعتبر الرسائل المطولة, حيث يتمهل ويتحدث وينفتح ويتكلم عن جسده وعن نفسه, ويصف أفراحه وشقاءه, أمراضه وآماله, ويتصل في كل ذلك بقلب شبيه بقلبه لينقل إليها التعازي التي يجدها هو في نفسه, في تأمل الكتاب المقدس ونواميس العناية الإلهية.

ويستخدم القديس كل هذا … أولاً: في إخماد الحزن الشديد الذي أصاب “أولمبياس”. ثانياً: أن يظهر الأهتمام اللطيف بها. ثالثاً: أن لا يقول شيئاً وألاّ يوحي بشئ لها إلا من آلامه وعذابه الشخصي, فهو حذر أن لا يتسبب الحديث المباشر عن آلامها في مضاعفة حزنها, ليزيد من عذاب “أولمبياس” الرقيقة.

فإن هذه الرسائل تدخلنا إلى حياة الصداقة القلبية, ويمكن أن تتوجه بشكل حسي, لتتفاعل مع كل المأخوذين بقبضة الألم, ومع كل الذين عرفوا الإضطهاد والهجران والحرمان وكل آلام الحياة (وما أكثرها). إذا لا حديث للقديس عن أى عواصف تعصف الكنيسة من الداخل. بل هي عواصف أضطرابات العالم الخارجي التي تستهدف أبناء النور والحق, لتعصف بقلب “أولمبياس” الحانية المترفقة بالجميع.

ملحوظة هامة جداً: إنه في بعض الترجمات أسقط السطر الأول من الرسالة السابعة إلى “أولمبياس”, والذي يشرح الغرض والهدف من الرسالة بكل وضوح وجلاء, فالقديس يوحنا ذهبي الفم ضمن الهدف من رسالته ــ بإيجاز لا لبس فيه ــ منذ السطر الأول مخاطباً “أولمبياس” هكذا:

[سأمضي … إذاً في محاولة تنظيف جرحكِ وتبديد الظلمات التي تغطي نفسكِ.] (10)

————–

(1) مخطوط يوناني لا يعرف واضعه، ربما يكون المؤرخ بلاديوس
(2)Chap, 46, 54
(3) Chap. 55
(4) من كتاب “يوُحَنّا الذهبيّ الفم ــ الرسائل إلى أولمبيا” تعريب الأسقف أستفانوس حَدّاد ــ منشورات النور
(5) Vita III
(6) Butler’s Lives of the Saints, Dc. 17
(7) Dial. 17
(8) Laus. His. 56
(9) Ep 8: 3-10
(10) كتاب “يوُحَنّا الذهبيّ الفم ــ الرسائل إلى أولمبيا” تعريب الأسقف أستفانوس حَدّاد ــ ص 200 ــ منشورات النور
(*) أيقونة الأقمار الثلاثة الآباء العظام الكواكب … أولاً: القديس باسيليوس الكبير ــ ثانياً: القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس (أغريغوريوس اللاهوتي, النزينزي) ــ ثالثاً: القديس يوحنا ذهبي الفم ــ أيقونة من القرن السابع عشر, في متحف التاريخ بـ “سانوك” ببولاندا, تصوير “برزيكوتا”.

—————

كما يمكن التعرف على رسالة القديس يوحنا فم الذهب إلى أولمبياس في أصول ترجمتها

↓↓ أضغط على الصورة ↓↓

رسالة القديس يوحنا ذهبي الفم ـ السابعة ـ إلى “أولمبياس”

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات