شرح أيقونة المحبة

شرح أيقونة المحبة

icons-24

إنّ تصميم مشهد هذه الأيقونة قديم، وهو جزء مأخوذ من أيقونة العشاء الأخير، أو العشاء السرّيّ الذي تناوله يسوع مع تلاميذه. ولكن أن يُخصَّص لهذا الجزء أيقونة منفردة فهو عمل حديث. وقد نال هذا العمل اسم التلميذ الحبيب.

ونرى بكل وضوح, المسيح يقدم لتلميذه يوحنا القربان بأحدى يديه, واليد الأخرى تحيط بيوحنا ممسكة برسالة أعلان تعاليم المحبة, فيميل التلميذ الحبيب برأسه على صدر المسيح, ونظره موجهة للقربان المقدس, ويمد يده إليه طلباً لشركته. كما يمكن ملاحظة الستر (الأبروسفارين) الذي يرفع عن سر الحب الذي بين الله والإنسان, وقد كشف عن سر الأفخارستيا سر إتحاد المحبة والرجاء.

ويعتمد مشهد الأيقونة على رواية إنجيل يوحنّا. في العشاء الأخير الذي تناوله يسوع مع تلاميذه أخبرهم بأنّ واحداً منهم سيخونه: «21 الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: إِنَ واحِداً مِنكُم سَيُسلِمُني» (يو 13: 21). فاضطرب التلاميذ وتساءلوا مَن هذا الذي سيسلمه. “23 وَكَانَ مُتَّكِئًا فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ. 24 فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ عَنْهُ. 25 فَاتَّكَأَ ذَاكَ عَلَى صَدْرِ يَسُوعَ (مُتَّكِئاً إِلى جانبِ يسوع، فمالَ دونَ تَكَلُّفٍ على صَدرِ يسوعَ) وَقَالَ لَهُ: «يَا سَيِّدُ، مَنْ هُوَ؟» 26 أَجَابَ يَسُوعُ: «هُوَ ذَاكَ الَّذِي أَغْمِسُ أَنَا اللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ!». فَغَمَسَ اللُّقْمَةَ وَأَعْطَاهَا لِيَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ. (يو 13: 23-26).

life-of-jesusلفتت هذه الرواية انتباه المسيحيّين عبر الأجيال. فهي تعبّر عن حميميّة العلاقة بين يسوع والتلميذ الحبيب، الذي يؤكّد التقليد أنّه يوحنّا الإنجيليّ. ومن حميميّة هذه العلاقة ظهرت حميميّة علاقة كلّ مؤمنٍ مع الرب. حميميّة تتخطّى الرسميّات بين الخالق والمخلوق، بين السيّد والعبد، من دون أن تلغيها. حميميّة تعكس علاقة بين الأب والابن التي هي في الآن نفسه علاقة قربٍ قلبي ومسافة للمخافة المقدسة.

“فمالَ بِدونَ تَكَلُّفٍ على صَدرِ يسوعَ” إنّ جوهر التعبير في أيقونة التلميذ الحبيب هو هذه العبارة الإنجيليّة. وأيقونتنا تصوّرها بطريقةٍ بسيطة، وسهلة، وواضحة، وتكاد تكون تعليميّة. بيد أنّ الناظر يشعر بوجود عمق أخرى من المعنى أعمق من مجرّد تصوير مشهدٍ. فلكي نكتشف فرادة الأيقونة التي نحن في صدد شرحها، يجب علينا التوقف لنتأمل قليلاً:

+ إنّ أوّل ملاحظة يمكننا أن نلاحظها من تفحّص هذه الأيقونة هي الثياب. إنّها فضفاضة بشكلٍ لافتٍ للنظر. وفي هذه السعة يتمّ التعبير على المحبّة الوافرة خلافاً للمحبّة بحسب القياس. وحيث إنّ محبّة المسيح لنا تفوق محبّتنا له، تبدو ثياب المسيح أوسع من ثياب التلميذ الحبيب.

+ الملاحظة الثانية هي الشبه بين المسيح والتلميذ الحبيب. إنّه ليس تطابقاً بل تشابهاً. التلميذ يتشبه بمعلّمه, كما أنّ المسيح تشبه بنا وأخذ طبيعتنا البشريّة.

+ المسيح يقدّم للتلميذ قرباناً. إنّه يقدّم له ذاته، جسده، تعبيراً عن المحبّة. وبدل أن تختفي ذراعه الثانية أو تحمل شيئاً وحسب، فإنّ ذراع المسيح الثانية تحيط بالتلميذ المحبوب، وهي تمسك بسفر تعاليم المحبة. المعنى هنا لاهوتيّ عميق: “مَن أحبّني… مَن يدخل في شراكةٍ معي، يستطيع بسهولة أن يطبّق وصاياي، لأنّه يسعى من خلالها إلى إرضاء الحبيب. حركة الاحتضان، التي تفيض حناناً، هي أساس العلاقة بالله. فسماعنا لكلمة الله يقوم على المحبّة المعلنة لنا فيه, لا على نار جهنّم المعدة للدينونة.”

maxresdefault+ من جهه أخرى، يميل التلميذ إلى صدر يسوع. ونظره مركّزاً على القربان الممسك به يسوع، ويد التلميذ الحبيب ممدودة إليه. إنّه يريد الشراكة معه. وفي الحركة نفسها، تتوجه يد يوحنا أيضاً للكأس، كأس الآلام والمرارة. بهذه الحركة تذكّرنا الأيقونة بحكاية يوحنّا نفسه، حين أتى وأخاه يطلبان أن يجلسا عن يمين المسيح ويساره حين يأتي في مجده. فسألهما يسوع: «أتستطيعان أن تشربا الكأس التي سأشربها؟» بالحبّ يستطيع الحبيب أن يجرع كلّ مرارةٍ وألم في سبيل المحبوب.

+ وإلى جانب الكأس ستر “الأبروسفارين” غير مطويّ بعناية، وكأنّه غطاء مرفوع لتوّه. إنّه الحجاب الذي يُزاح عن سرّ الحبّ بين الله والإنسان. حبّ قوامه الشراكة، ومساره مرارة ألم الصليب. إنّهما الماء والهواء الضروريّان لنموّ هذا الحب الموهوب لنا بالصليب.

+ تذكّر هذه الأيقونة كلّ إنسانٍ بأنّه مخلوق على صورة الله، أي مخلوق من أجل المحبّة, لا من أجل العنف والكراهية والغيرة. فعليه أن يبني علاقته بالله على أساس المحبّة لا على أساس الخوف. لأن المحبة الحقيقية تهب لنا المخافة المقدسة لا الخوف والرعب, ومن هذه المحبّة سينطلق ليبنيّ مع سائر البشر علاقة محبّةٍ وأخوّة.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات