حياة الرب يسوع (1)

حياة الرب يسوع (1)

إن سيرة الرب يسوع الأولى لهي عجيبة في دلالتها ومغزاها, وكما يقول الكتاب: “وَكَانَ الصَّبِيُّ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ، مُمْتَلِئًا حِكْمَةً، وَكَانَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ. لو 40:2, ففي نور وجه أبيه السماوي كَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ. لو 52:2.

طفولة الرب السعيدة:

t1455943289b966838d522bb1b63693b5fb092eee78image-jpgw500h281كان الرب يسوع في طفولته له عقل نشيطاً وفكراً ثاقباً, وكان تفكيره وحكمته سابقين لعمره(1). وقد أتصف بالنبل والجمال والإحساس المرهف. فهو يحب زهور الحقل, يحب الجبال والأودية وسكينة البراري(2), ولكنه كان طبيعياً ولم يُظهر أعمالاً خارقة للعادة(3).

وإني لأتأمله وهو صبياً جائلاً فوق سفوح تلال الناصرة, بين أحضان الطبيعة الجميلة التي هي أروع مظاهر الله. ملقياً نظرة إلى تلك الروابي المكسوة بالبساط السندسي الأخضر,  والجداول الباسمة بثغور وضَّاحة, والشمس المجيدة تُشرق بأنوارها الذهبية,لتنير الكون ثم تُبتلع في أعماق البحر بمجد قرمزي. أجّلْ: كان يسوع صبياً طروباً سعيداً في عهد صبوته الطليقة البسيطة التي قضاها في الناصرة(4).

وقد عاش الرب يسوع غلاماً طبيعياً يذهب في طاعة أمه ليُحضر شيء, وينظف ورشة النجارة من نشارة الأخشاب, ويلعب مع أصحابه وأترابه في السوق … ويشدو بصوت رخيماً ما يُشبه الأناشيد(5).

فقد كان يصطحب أمه في صغره ممسكاً بيديها أو في ذيل ثوبها الفضفاض, كل يوم إلى عين الماء لتملأ جرة الماء, إلى الحقل لتجمع بعض من الأعشاب اليابسة للموقد(6).

m5zn_5dee7d1bac5802eتعلمه في المجمع اليهودي:

وعندما بدأ السيد المسيح عامه السادس, أُرسل إلى مدرسة المجمع, ليتعلم على يدي معلم المدينة أو الحاخام(*) كما يُسمى عند اليهود. فقد كان اليهود يعلقون أهمية كبيرة على تلك المدارس, وكان محرماً شرعاً السكن حيث لا توجد مدارس لتثقيف الأحداث. أما قوام التعليم, فكان تَعلْم القراءة والكتابة وبعض أسفار العهد القديم, حتى يبلغ العاشرة من العمر(7), وأبتداء من سن العاشرة حتى الخامسة عشرة يدرس الأحاديث اليهودية أي “الميشْنَاة”(8).

عمله اليدوي قبل ظهوره للخدمه:

وبعد سن الخامسة عشرة, التصق الرب يسوع بالقديس يوسف النجار ــ الذي كان قد هَرِم ووهنت صحته, ولم يقدر على العمل كالأول ــ في ورشته ليساعده, ومن هنا ترعرع وأعتكف للعمل, فعرفوه نجاراً يجذب المنشار حيناً, ويقلب العود تحت وقع قدومه حيناً آخر(9) إلى وفاة القديس يوسف النجار فزاول مهنة النجارة بمفردة ليعول أمه الحبيبة(10), ولذلك لقب يالنجار(11).

وقد ذكر يوستينوس الشهيد (140م) أن الرب يسوع كان متخصصاً في عمل الأنيار (جمع نير) والمحاريث(12), والأدوات المنزلية ويُصلح العربات للقرويين(13), ويخترع لعباً لأطفال قريته(14).

ويشهد كرنيلبوس قائد المائة كشاهد عيان, فيقول: قد شاهدت بعض أدوات الزراعة والفلاحة التي من شغل يديه وهو المحراث والنير, فوجدتُ صنعتها دقيقة ورقيقة, وهي بأُجرة لا تذكر في جانب خفتها وقوتها, لأنه كان غبر طامع وقنوعاً في المقاولة, فلا يرد الطالب مهما كانت مقاولته قليلة(15).

حياة السيد المسيح الشخصية:

136888334131وقد كان السيد المسيح يأكل رغيفه وأدَامه, مثلما يأكله أحد الفقراء .. وكان عند المساء يأخذ وسادة خشنة على حصير من لحاء القصب, ثم ينام ملء جفنيه, من بعد يوم شاق(16). هكذا عاش السيد كناسك في ملبسه وطعامه ونومه وصلاته, حقاً لقد شابهنا في كل شىء ما خلا الخطية.

وهذه كانت لمحة بسيطة عن النشأة النُسكية الأولى للمخلص, سواء في الهدوء, أو في الصلاة, أو في التأمل, أو في حياة الفقر الاختياري, أو في الطاعة ….. إلخ.

————————————
(1) ألن هوايت: مشتهى الأجيال (ص 55).
(2) إلياس نجمه: يسوع المسيح (ص 392).
(3) رسائل متبادلة ببن كُرنيليوس وديونيسيوس: كتاب قديم بدون رقم أو تاريخ (ص 72). 
(4) بترسن سميث: حياة يسوع, ترجمة: حبيب سعيد, دار الشرق والغرب بمصر وفلسطين S.P.C.K, طبعة ثانبة (ص 37ــ38).
(5) المرجع السابق (ص 35).
(6) الأب ديلي (ص 30).
(*) حاخام: هو زعيم ديني يهودي. كلمة حاخام العربية ترجع إلى كلمة عبرية بمعنى “حكيم” وهي اللقب الذي أُطلق على زعماء اليهود في البلدان العربية والأسلامية. أما اللقب الأكثر أنتشاراً لدى اليهود وباللغة العبرية فهو “راف” أو “رابي”, ويعني بالعبرية القديمة “سيد” أو “معلم” (والكلمة النظيرة بالعربية هي رَبّ بمعنى سيد). وهناك نوعين من الحاخامين: (أ) حاخام مختص بتوفير القرارات بالشؤون دينية. يتلقى حاخام من هذا النوع أسئلة عن التصرف اللائق حسب الشريعة اليهودية, وبنشر قضاءه ردا على السؤال, حيث يلزم القضاء من يفضل التوجه إلى هذا الحاخام وخاصة السائل نفسه. (ب) وحاخام بترأس مجتمع يهودي ويكون زعيماً له. هذا النوع موجود عند اليهود الحاسديين.
درجات الحاخامين وألقابها: (1) الحاخام الجاؤون: وهو حاخام قراراته مقبولة لدى يهود كثيرين. (2) الحاخام البارّ: وهو حاخام مختص بشؤون أخلاقية, أو مفتش في “يشيفا” (مدرسة دينية). (3) الحاخام ماران: وهو رئيس “يشيفا” أو حاخام يعلم حاخامين آخرين أو رئيس مجتمع يهودية حسيدية. [ويكيبديا الموسوعة الحرة ــ حاخام]  
(7) بترسن سميث: حياة يسوع (ص 36).
(8) الجمعية الأسقفية: تاريخ المسيح (23).
“الميشناه” “Mishnah”: هو المصدر الأساسي للنصوص الدينية اليهودية الحاخامية “rabbinic”. يعتبر كتاب “الميشناه” أول سجل للشريعة الشفهية لليهود, ويعتبر العمل الأول ضمن اليهودية الحاخامية. أبتدأ بتدوين الشريعة اليهودية الشفاهية “يهودا هاناسي” “Judah haNasi” إثر خراب الهيكل اليهودي عام 70 للميلاد. فيما سُمي هذا العمل بالميشناه حوالي عام 200 للميلاد. ويُعرف حاخامو الميشناه بأسم المعلمين “تَـنَـائيم” “Tannaim” ومفردها “تـنـا” “Tanna”, وجرت العادة إيراد عديد من التعاليم الواردة في “الميشناه” تحت اسم أحد هؤلاء التنائيم.
وتتألف “الميشناه” من ستة مباحث: “سداريم” “Sedarim”, ومفردها “سِدِر” “Seder”, وكل واحد من هذه المباحث يتألف من 7 إلى 12 مقالة تدعى: “مَسِخْتوت” “Masechtot”, ومفردها “مسيّخت” “Masechet”.
وننضمن الميشناه آراء فقهية محسومة, وكثيراً ما تضم خلافات في وجهات النظر بين التنائيم, وبها القليل من الحوارات. وتقريباً معظم الميشناه خلال القرون الثلاثة التالية سجلت جميعها تقريباً بالآرامية. كما يوجد كتاب “الجمار” “Gemara”, وهو مشابه للميشناه ويشكل الميشناه مع الجمارا سوياً, التلمود “Talmud” اليهودي. [ويكيبديا الموسوعة الحرة ــ الميشناه]. 
(9) إلياس نجمة: يسوع المسيح (ص2).
(10) إلياس نجمه: يسوع المسيح (ص95).
(11) (مر 3:6).
(12) زكي شنودة: المسيح ج1, مكتبة المحبة 1975م, ص 23.
(13) فولتون شين (ص 39).
(14) مقال “المسيح والعمل” من كتاب: القول الصريح في مثال المسيح, للدكتور ستوكر, ترجمة: د. عياد غزولي. نُشر بمجلة اليقظة السنة 6 عدد 9 مايو 1930م, ص 592.
(15) رسائل متبادلة بين كُرنيليوس وديونيسيوس (73).
(16) إلياس نجمه: يسوع المسيح (ص 2).
—————————–
من كتاب “حياة السيد المسيح النسكية” الأب تيموثاؤس المحرقي

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات