الملك الألفى فى تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية (1) – الأب متى المسكين

الملك الألفى فى تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية

matta el maskine10aالتعليم بالملك الألفى، أى تَملُكَ الأبرار مع المسيح لمدة ألف سنة, وارد فى الأصحاح العشرين من سفر الرؤيا.

“1 وَرَأَيْتُ مَلاَكًا نَازِلاً مِنَ السَّمَاءِ مَعَهُ مِفْتَاحُ الْهَاوِيَةِ، وَسِلْسِلَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى يَدِهِ. 2 فَقَبَضَ عَلَى التِّنِّينِ، الْحَيَّةِ الْقَدِيمَةِ، الَّذِي هُوَ إِبْلِيسُ وَالشَّيْطَانُ، وَقَيَّدَهُ أَلْفَ سَنَةٍ، 3 وَطَرَحَهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ لِكَيْ لاَ يُضِلَّ الأُمَمَ فِي مَا بَعْدُ، حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ. وَبَعْدَ ذلِكَ لاَبُدَّ أَنْ يُحَلَّ زَمَانًا يَسِيرًا. 4 وَرَأَيْتُ عُرُوشًا فَجَلَسُوا عَلَيْهَا، وَأُعْطُوا حُكْمًا. وَرَأَيْتُ نُفُوسَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ يَسُوعَ وَمِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْجُدُوا لِلْوَحْشِ وَلاَ لِصُورَتِهِ، وَلَمْ يَقْبَلُوا السِّمَةَ عَلَى جِبَاهِهِمْ وَعَلَى أَيْدِيهِمْ، فَعَاشُوا وَمَلَكُوا مَعَ الْمَسِيحِ أَلْفَ سَنَةٍ. 5 وَأَمَّا بَقِيَّةُ الأَمْوَاتِ فَلَمْ تَعِشْ حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ. هذِهِ هِيَ الْقِيَامَةُ الأُولَى. 6 مُبَارَكٌ وَمُقَدَّسٌ مَنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْقِيَامَةِ الأُولَى. هؤُلاَءِ لَيْسَ لِلْمَوْتِ الثَّانِي سُلْطَانٌ عَلَيْهِمْ، بَلْ سَيَكُونُونَ كَهَنَةً للهِ وَالْمَسِيحِ، وَسَيَمْلِكُونَ مَعَهُ أَلْفَ سَنَةٍ. 7 ثُمَّ مَتَى تَمَّتِ الأَلْفُ السَّنَةِ يُحَلُّ الشَّيْطَانُ مِنْ سِجْنِهِ، 8 وَيَخْرُجُ لِيُضِلَّ الأُمَمَ الَّذِينَ فِي أَرْبَعِ زَوَايَا الأَرْضِ: جُوجَ وَمَاجُوجَ، لِيَجْمَعَهُمْ لِلْحَرْبِ، الَّذِينَ عَدَدُهُمْ مِثْلُ رَمْلِ الْبَحْرِ. 9 فَصَعِدُوا عَلَى عَرْضِ الأَرْضِ، وَأَحَاطُوا بِمُعَسْكَرِ الْقِدِّيسِينَ وَبِالْمَدِينَةِ الْمَحْبُوبَةِ، فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتْهُمْ. 10 وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلاً إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. 11 ثُمَّ رَأَيْتُ عَرْشًا عَظِيمًا أَبْيَضَ، وَالْجَالِسَ عَلَيْهِ، الَّذِي مِنْ وَجْهِهِ هَرَبَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَاءُ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُمَا مَوْضِعٌ! 12 وَرَأَيْتُ الأَمْوَاتَ صِغَارًا وَكِبَارًا وَاقِفِينَ أَمَامَ اللهِ، وَانْفَتَحَتْ أَسْفَارٌ، وَانْفَتَحَ سِفْرٌ آخَرُ هُوَ سِفْرُ الْحَيَاةِ، وَدِينَ الأَمْوَاتُ مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَسْفَارِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ. 13 وَسَلَّمَ الْبَحْرُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِ، وَسَلَّمَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِمَا. وَدِينُوا كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ. 14 وَطُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ. هذَا هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي. 15 وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ.

هناك إختلاف بين المفسرين بشأنه بسبب الطابع الرمزى للسفر, حيث يكون التفسير الحرفى للنصوص مخاطرة قد تؤدى إلى الضلال, خصوصاَ وأن التعليم بالملك الألفى بحرفيته غير موجود فى إعلانات السيد المسيح فى الأناجيل, ولافى سائر أسفار العهد الجديد. فالتفسير الصحيح والمرجح للملك الألفى هو التفسير الرمزى الذى تتبناه الكنائس التقليدية وعلى رأسها كنيستنا القبطية الأرثوذكسية.

أولاً: التفسير الحرفى للملك الألفى:

ينقسم المتحمسون للتفسير الحرفى للملك الألفى إلى فريقين:

1- فريق سابقى الألف السنة  PRE – MILLENNIALISTS:

وهم الذين يعتقدون بأن المجئ الثانى يسبق وليمة الملك الألفى. وهؤلاء منقسمون فيما بينهم بشأن مكان الملك الألفى للقديسين, هل هو فى السماء أم على الأرض؟ وهم يعتقدون بأنه عند مجئ المسيح ثانية فى وقت مفاجئ يقوم الأبرار وحدهم من الموت بأجسادهم الأرضية. ومن ثم فإنهم يطلقون على قيامة الأبرار هذه لقب “القيامة الأولى”. وفى نفس الوقت يباد الأشرار من الأرض, ويجدد اليهود عبادتهم فى أورشليم, ويقيد الشيطان، ويعم البر والسلام على كل الأرض, ويملك المسيح بالجسد فى أورشليم مدة ألف سنة. بعد أن يبيد كل الحكومات والنظم السياسية القائمة. ويسود السلام العالم، إذ يسكن الذئب مع الخروف, ولاتكون هناك حروب, ويؤمن كل العالم بالمسيح. وفى نهاية الألف السنة يحل الشيطان ويحاول تضليل الأمم وتجميعهم للحرب ضد القديسين, وتحدث المعركة الفاصلة “هرمجدون” التى ينتصر المسيح فيها على الشيطان, ثم يقوم الأشرار القيامة الثانية من الأموات للدينونة, وينتهى العالم.

2- فريق لاحقى الألف السنة POST- MILLENNIALISTS:

وهم الذين يعتقدون بأن المجئ الثانى للمسيح يكون بعد إنتهاء فترة الملك الألفى وحل الشيطان, التى يعتبرونها بمثابة تهيئة الطريق لمجيئه, بإنتشار البر على الأرض. وذلك للدينونة بعد تدمير العالم الحاضر.

نشأة فكرة الملك الألفى:

لقد ورثت المسيحية الأولى روائع من التراث العبرى الروحى, فلاهوت العهد القديم لاهوت توحيدى حى خصب, والناموس الأدبى والأخلاقى زاخر بوصايا وتوجيهات غاية فى الرقى, قادرة أن تكون منطلقاً صادقاً وتمهيداً هاماً لتعاليم السيد المسيح السامية.

ولكن للأسف فقد ورثت المسيحية أيضاً مع هذا التراث السوى تراثاً آخر من تعاليم هى من وضع المجتهدين, خالية من الأصالة الروحية. وهذه ضمنتها كتب “الأبوكريفا” العبرية المزيفة التى جمعها وألفها أشخاص كانوا حقاً ضالعين فى المعرفة وقتذاك, ولكن لم يكونوا مَسُوقِين مِنْ اَلرُوحِ القُدُسِ [ 2بط 1: 21].

ومن هذه الكتب: رؤيا عزرا الثانى وأخنوخ, ورؤيا باروخ وموسى وغيرها من الأسفار المزيفة التى لم يؤمن بها اليهود المدققين. وهى من وضع القرن الثانى قبل الميلاد, وفيها تعاليم خاطئة وبعض الضلالات الخطيرة. ولكنها ذات منفعة تاريخية كوثائق لدراسة تاريخ هذه الفترة.

ومن التعاليم التى تضمنتها هذه الأسفار والتى شاعت عند اليهود فى عصورهم السابقة للمسيح مباشرة: المناداة بالملكوت الزمنى لإسرائيل, والمدينة المحبوبة التى يصور فيها الكاتب حياة خيالية مادية يكون فيها كل المتع الأرضية, حيث تكون إسرائيل هى عروس الدنيا التى تأكل وتشرب خيرات الأمم, أما أعداء “يهوه” فيلحسون من تحت قدميها.

وواضح أن الضغط السياسى وحالة العبودية التى كان يئن منها اليهود فى القرون الأخيرة قبل مجئ السيد المسيح كانت هى العامل الأساسى لإنطلاق المخيلات والأحلام والرؤى لتصوير ملكوت المشتهيات النفسية. وتفسير نبوءات الأنبياء بما يتناسب ومطالبهم الوقتية وأمانيهم. كما يشترك فى الأسباب المباشرة لهذا الجنوح الدينى صعوبة المنهج الأخلاقى ومشقة الناموس الأدبى بصفته الطريق الرسمى الوحيد لبلوغ حالة السعادة والسلام والحياة المستقرة مع الله. مما إضطر الكاتب والمفكر والحالم اليهودى أن يقترح طريقاً آخر سهلاً بعيداً عن دائرة العمل والجهد والمسئولية: هناك هناك فى المستقبل البعيد سننال كل مانشتهيه!

كان الإعتقاد بالملك الألفى منتشراً فى العصور المسيحية الأولى بين الأبيونيين, والمونتانيين، وبعض الغنوسيين, وهم جماعات هرطوقية. وأشهر أولئك الهراطقة الأولين هو “كيرينتوس” الغنوسى المتهود، الذى عاش فى مطلع القرن الثانى للميلاد, وعلم بالملك الألفى الذى فيه تتضاعف الخيرات الأرضية وخصوبة الناس والأرض, ومؤكداً على شرعية اللذات الجسدية وإستمرارية الطقوس اليهودية.

{الأبيونيين: طائفة من الهرطقة المسيحيين المتهودين، إنتشروا فى شرق الأردن فى القرون الثلاثة الأولى والجزيرة العربية, ينكرون لاهوت المسيح وميلاده العذروى, ويغالون فى التمسك بالناموس, ويعتقدون بحرفية الملك الألفى, ويرفضون رسائل بولس الرسول, ويستخدمون إنجيلاً واحداً ينسبونه إلى متى الرسول, ويغالون فى النسك، ويتمسكون بالفقر. واسمهم مشتق من الكلمة العبرانية “أبيونيم”, أى “فقراء”}.

{المونتانيون: نسبة إلى مونتانوس الذى عاش بفريجية فى القرن الثانى الميلادى, وزعم أن أسراراً تُكشف له ولإمرأتين هما “بريسكا” و  “ماكسميلا” بروح النبوة. ومنها أن أورشليم السمائية نزلت فى“ببوزا” بفريجية. والمونتانيون ينادون بحرفية الملك الألفى، ويحرمون الزواج للمترملين, ويغالون فى الصوم, ويدينون الهرب من الإضطهاد, ويرفضون قبول توبة الجاحدين, وأشهر من إنضم إليهم هو “ترتليانوس”}.

{الغنوسيون: جماعات هرطوقية إنتشرت فى القرون الثلاثة الأولى للمسيحية، وتنادى بأن الخلاص هو بالمعرفة “غنوسيس, باليونانية” التى فى متناول قلة من الناس. والأفكار الغنوسية كانت موجودة قبل المسيحية. وهى مستمدة من تعاليم وأساطير الديانات الوثنية فى مصر والهند واليونان, مضافاً إليها بعض تعاليم يهودية. بما فى ذلك فكرة الملك الألفى الحرفى. وفيما بعد إستعارت الغنوسية بعض التعاليم والعقائد والشخصيات المسيحية بصورة مشوهة بهدف التضليل. وتميز الغنوسية بين الإله الأسمى غير المدرك وبين سلسلة من الصدورات عنه تسمى “أيونات” ومنها “الديميورج” وهو خالق العالم المادى الساقط. وتقول بأن المادة والجسد شر, وأن الروح التى هى العنصر الإلهى فى الإنسان تخلص بالمعرفة, وتنادى بأن المسيح هو واحد من الأيونات فى سلسلة الصدورات, وقد جاء ليعلن ذلك الإله الأسمى ونوال الخلاص بالمعرفة. وتقول بأن تجسد المسيح وصلبه كان خيالياً!!}.    (يتبع)

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات