كيف سيدين المسيح المسكونة بالعدل (1) – الأب متى المسكين

كيف سيدين المسيح المسكونة بالعدل (1)

الأب متى المسكين

matta el maskine10aــ هل سيظهر الحمل الوديع بصورة الغاضب المنتقم؟
ــ هل ستخرج كلمات اللعنة من فمه على الخطاة؟
ــ ويترك عنه حنانه الذي غُلب يوماً من فرط تباريحه، وغفر لهم حتى حماقة صلبه؟
ــ هل تستريح أحشاء رحمته وهو يأمر بإبعاد الخطاة عنه إلى الأبد؟
ــ هل يتعذب الخطاة عذابهم الأبدي وهو راضٍ عن ذلك كل الرضى؟
إن كان الجواب على هذا: نعم; فهل تغيَّرت طبيعة المسيح؟ وياله من تغيير! وإن كان الجواب: لا; فكيف ستتم كلماته التي قالها عن الدينونة، وهي صادقة وأمينة ومستحقة كل قبول؟

+ ” 47 وَإِنْ سَمِعَ أَحَدٌ كَلاَمِي وَلَمْ يُؤْمِنْ فَأَنَا لاَ أَدِينُهُ، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ. 48 مَنْ رَذَلَنِي وَلَمْ يَقْبَلْ كَلاَمِي فَلَهُ مَنْ يَدِينُهُ. اَلْكَلاَمُ الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ هُوَ يَدِينُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ. (يو 47:12و48).

+ “ 46 أَنَا قَدْ جِئْتُ نُورًا إِلَى الْعَالَمِ، حَتَّى كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِي لاَ يَمْكُثُ فِي الظُّلْمَةِ. (يو 46:12).

+ “ 6 قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي. (يو 6:14).

+ ” 35 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «النُّورُ مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلاً بَعْدُ، فَسِيرُوا مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ لِئَلاَّ يُدْرِكَكُمُ الظَّلاَمُ. وَالَّذِي يَسِيرُ فِي الظَّلاَمِ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ. (يو 35:12).

سيدين المسيح العالم حينما يضيء الحق الذي في الوصية علناً ويُستعلن جهاراً، فتتوقف كل القوى السالبية العقلية والمادية اضطراراً، ويُباد الشيطان: تلك القوة المزيفة، جوهر الكذب، الذي هو العدم المتسربل بالخداع. وسيعمل في تهيئة جو الدينونة ثلاثة عوامل هامة جداً:

العامل الأول: رفع تأثير الزمن; إذ في القيامة نلبس أجساداً على غير فساد، لا تفنى ولا تزول، تستقر فيها النفس مُتحررة من كل عوامل الخداع، إنما بوعي كامل وفائق على ما هو الآن، وبالأخص من جهة الحياة السابقة، ومن جهة ما هو فوق الزمان بوجه عام, فترتبط دقائق الماضي ببعضها ترابطاً غير منفصل، فتظهر الحياة السالفة كلها حاضرة ومرئية في نور الحق الإلهي.

العامل الثاني: النسيان, الذي يتسلل إلينا هنا بعوامل الزمن والتغيير، لا يوجد هناك. فتصير  المعرفة في يقظة شاملة لا يشوبها أي سهو تسبِّبه عوامل خداع النفس أو شيخوخة الوعي، فتنكشف أمام الإنسان كل حياته بكل أعمالها واتجاهاتها ويدرك كل كلمة خرجت من فمه، وكل فكرة صاغها عقله وكل مشيئة سَعَتْ لها نفسه وارتضى بها ضميره!

العامل الثالث: استعلان الله في مجد لاهوته, بفاعلية تتغلغل الكيان البشري بأقوى ما فيه من وعي، حيث تظهر لتدخل صاغرة في الكشف والتمحيص، فيها يواجه كل إنسان الحق ذاته في مواجهة الله، بحيث لا يعود يستتر شيء من كل ما عَمِلَ الإنسان وقال.

وبهذه العوامل الثلاثة تبدأ الدينونة في جو من الوعي الكامل الحاضر المتدفق لكل دقائق الحياة السالفة على ضوء الحق الكامل في الله، وحينئذٍ تظهر أعمالنا وأقوالنا ومشيئاتنا على قياس الحق الكامل أمام حضرة القدير، فندرك في الحال مقدار قربنا منه أو انحرافنا عنه!

قضاء المسيح:

والمسيح سيدين العالم باستحقاق فائق، لأنه هو الحق والنور والحياة، فهو يأخذ موقف الديان عن استحقاق، وليس اغتصاباً، لأن أعماله تشهد له، وحياته البشرية أكملها على قياس كامل من الحق، فلم يعمل خطية قط ولم يوجد في فمه غش!! فهو النور الذي لم تدركاه الظلمة، وجوهر الحياة الذي غلب الموت، وتزكية قضائه قائمة بشاهدة حياته وقيامته! هذا بجوار كونه كلمة الله الأزلي الخالق الذي ما من خليقة في السماء أو على الأرض إلا وتستمد منه دوام وجودها وتجديدها أو عدمها وزوالها.

وإن كانت حياة المسيح الشخصية كفيلة بأن تكون دينونة بحاد ذاتها، لذلك فمجرد ظهوره لن يُطاق بالنسبة للذين جدفوا عليه وأهانوه. كذلك فإن قداسته الفائقة ستصبح وبالاً ورعباً على كل الذين لم يطيعوا الحق بل أخضعوا أجسادهم وأرواحهم للنجاسة.

وكما طلبت الشياطين أن يؤذن لها في البعد عنه ولو بدخولها الخنازير (لو 26:8-39)، لأن في ذلك كان راحة لها أفضل من مواجهة قداسته، كذلك ستكون طلبة الذين جحدوه ونجسوا ذواتهم، بالإلحاح المتواصل للخروج من حضرته، لأنه سيكون لهم في البعد عن القداسة والحق والنور والحياة، راحة أفضل!
وهكذا سيدين المسيح الأشرار والفجَّار والشياطين بمجرد ظهوره واستعلانه في مجده وقداسته، لا بالقسوة أو الغضب، وإنما باستعلان لاهوته المتضمن منتهى جوده وإحسانه ورحمته وحبه وكلامه اللين اللطيف الذي احتقره المحتقرون وداسوه وازدروا بقوله وصليبه!

أما ابن الحب والرحمة والسلام، فسيحل عليه في يوم القضاء فيض الحب والرحمة والسلام، وأما الذين لم يكن لهم حب و رحمة و سلام، فسوف يرتد عنهم الحب والرحمة والسلام، بل ولا يعودون يطيقون هذه الأمور، ويحل عوضاً عن ذلك حتماً وبالضرورة «سخط وغضب، شدة وضيق» (رو 8:2و9) هو من صنع قلوبهم ونسيج ضمائرهم.

وإذ يكون المسيح الديان لا يزال مبتسماً يقولون له: لماذا جئت لتعذبنا!! وبينما هم في حضرة الحياة يطلبون الموت!! والنور البهيج الذي يشعُّ منه يرعبهم ويزعجهم، ويسعون وراء الظلمة ويطلبون لو أن الجبال تسقط عليهم أو أن الآكام تغطيهم لتريحهم من وجه الجالس على العرش!

وبينما تكون الدينونة يوم فرح واستعلان لأمجاد الله ومراحمه الدهرية، يصير هذا بعينه يوم غضب للأشرار لا يستطيعون الصمود فيه أو الوقوف!  (يتبع)

—————————————
الجزء الأول: من نص خطاب أُرسله الأب متى المسكين لأحد الإخوة عام 1958م
—————————————-

لمتابعة خطاب الأب متى المسكين – الجزء الثاني

↓↓ أضغط على الصورة ↓↓

كيف سيدين المسيح المسكونة بالعدل (2) – الأب متى المسكين

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات