مخافة الله – مفاهيم كتابية – دكتور جميل نجيب سليمان

مخافة الله

مفاهيم كتابية

دكتور جميل نجيب سليمان

يتحفَّظ البعض أمام تعبير مخافة الله، فهُم يَرَوْنَـه مُتناقضـاً مـع محبة الله؛ بـل إنهم يستحضرون هنا آية مُعلِّمنا يوحنا الرسول«لاَ خَـوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَـلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْـرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّـا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ» (1يو 4: 18).

ويذكرون في هـذا الصـدد قـول القديس أنطونيوس لبعض تلاميذه الرهبان: إنه لا يخاف الله. ولمَّا اندهشوا لهذا القول من أبيهم الروحي وطلبوا منه إيضاحاً، قـال لهم: لأني أحب الله، والمحبة تطرد الخوف إلى خارج.

على أنَّ الرسول يوحنا أراد أن يؤكِّـد أنَّ محبتنا لله تُجرِّد علاقتنا به من الخوف الذي يسود علاقة العبد بالسيِّد. فالعبـد لا حقوق له، وهـو لا يطمئن إلى سيِّده، ويتوقَّع منه العقاب على أيِّ حـالٍ، وليس في أعماقه غير الرُّعب والفَـزَع والتوجُّس مِمَّا قد تأتي به الأيام.

نعم، فالمحبة تطرح الخوف إلى خارج.

معنى مخافة الله

ولتقريب المعنى للذهـن، نقول إنه – بحسب الوصية – فنحن نُكرم والدينا (خر 20: 12؛ تث 15: 16؛ مت 15: 4؛ لو 18: 20؛ أف 6: 2) ونُوقِّرهم ونُطيعهم، ومحبتنا لهم تحتضن كـلَّ تصرُّف. فعلاقتنا بهم ليست علاقة خوف بالمعنى السلبي، ولكن فيها تهيُّب وإكبار وولاء، وشعور بالامتنان على رعايتهم لنا كـل الأيـام. والناس تملؤهم الهيبة أمـام الكبار والرؤسـاء احترامـاً وتأدُّباً.

ولكـن مـع الله، فالأَمر – رغم المُشابهة – يختلف كثيراً. فالله يتعالَى بما لا يُقاس. فهو أعظم من الكلِّ، وهو الجدير والأَوْلَى بالمخافة والتوقير والخشوع فوق الجميع.

فالله هـو أصل كـل شيء، ومُعطي الحياة، الأزلي الأبدي، الألف والياء، البدايـة والنهايـة، الأَول والآخِر (رؤ 1: 8؛ 22: 13)، وهو كلِّي الوجود، كلِّي المعرفة، وكلِّي القدرة.

والكنيسـة في القدَّاس تُذكِّرنـا بحقيقة الله، لئلا نغفل ونفقـد مخافته، فتُنادينا أثناء الصلاة أن نقف حسـناً، نقف بتقـوى، نقف بسـلام، نقف باتِّصال، نقف بخوف الله ورعدة وخشوع. وأنَّ الشاروبيـم يسجدون لله، والسيرافيـم يُسبِّحونـه صارخين قائلينقدوس، قدوس، قدوس، رب الصَّباؤوت (الجنود). السماء والأرض مملوءتان مـن مجـدك الأقـدس (إش 6: 3،2)، ونحن نُشاركهم السجود والتسبيح.

ولكن مخافة الله تتجرَّد مـن الرُّعب والفَزَع واستهوال الوقـوف أمامـه أو الاقتراب منـه، لأنها مُختلطة في صميمها بمحبتـه التي أحدرته من مجده إلى أرضنا، ليذوق الموت لأجل خلاصنا، ويُنْعِم على كلِّ مَن يؤمن به بالحياة الأبدية (يو 3: 16).

وقد ضيَّق الرب، بتجسُّده، الفرق الشاسع بين عظمة الله وضآلة الإنسان، لمَّا صار واحداً مثلنا بلا خطية (عب 4: 15). وعاش بيننا وعلَّمنا أن نُخاطب اللهأبانـا (مت 6: 9؛ لو 11: 2)، وقدَّم نفسه المثال لكي نتعلَّم منه، لأنـه «وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ» (مت 11: 29).

ومكتوبٌ عن الله أنه «رَؤُوفٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ» (مز 103: 8)، «أَبُو الرَّأْفَةِ وَإِلَهُ كُلِّ تَعْزِيَةٍ» (2كو 1: 3).

فالله هـو جماع المحبـة والقداسـة والحق والعدل والرحمة والغفران. وداود الملك المُطارَد مـن أعدائـه يقـول«فَلْنَسْقُطْ فِي يَـدِ الرَّبِّ، لأَنَّ مَرَاحِمَـهُ كَثِيرَةٌ وَلاَ أَسْقُطْ فِي يَـدِ إِنْسَانٍ» (2صم 24: 14).

الربُّ يوصينا ألاَّ نخاف غير الله †

والربُّ وهبنا سلامه، ووَعَدَ أن يكـون دوماً معنا، وحذَّرنـا أَلاَّ نخاف العالم المُضطهِد أو أن نهتم بالغـد، وعـرَّفنا أن نوالنا الملكوت والحياة الأبديـة لَهـو أعظم عطية؛ ومِـن ثمَّ، فالمخافة لا تكـون إلاَّ لله وحـده، وهكـذا سمعنا كلمات الرب:

† «أَنَـا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ» (مت 28: 20)،

† «سَلاَماً أَتْـرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ» (يو 14: 27)،

† «لاَ تَخَفْ لأَنِّي مَعَكَ» (تـك 26: 24؛ إش 41: 10)،

† «أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا» (مت 14: 27؛ مـر 6: 50؛ لو 6: 10)،

† «لاَ تَخَفْ أَيُّهَا الْقَطِيعُ الصَّغِيرُ، لأَنَّ أَبَـاكُمْ قَـدْ سُـرَّ أَنْ يُعْطِيَكُـمُ الْمَلَكُوتَ» (لـو 12: 32)،

† «لاَ تَخَـفْ! آمِـنْ فَقَطْ» (مـر 5: 36؛ لـو 8: 50)،

† «وَلكِنْ أَقُـولُ لَكُمْ يَا أَحِبَّائِي: لاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ، وَبَعْدَ ذلِكَ لَيْسَ لَهُمْ مَا يَفْعَلُونَ أَكْثَرَ. بَلْ أُرِيكُمْ مِمَّنْ تَخَافُونَ: خَافُوا مِـنَ الَّذِي بَعْدَمَا يَقْتُلُ، لَهُ سُلْطَانٌ أَنْ يُلْقِيَ فِي جَهَنَّمَ. نَعَمْ أَقُولُ لَكُمْ: مِنْ هذَا خَافُوا!» (مت 10: 28؛ لو 12: 5،4).

ورغـم اتِّسـاع قلب الله وقدرتـه على الغفران، إلاَّ أنـه لا يتساهل مع الجهلاء الذيـن يتعالون عليه، وهـا هـو يُرسل مَن يقول لعالي الكاهن الذي انحرف أبناؤه«وَالآنَ يَقُولُ الرَّبُّ: حَاشَا لِي! فَإِنِّي أُكْرِمُ الَّذِيـنَ يُكْرِمُونَنِي، وَالَّذِينَ يَحْتَقِرُونَنِي يَصْغَرُونَ» (1صم 2: 30).

مخافة الله ومحبته محور الحياة الروحية †

قـد لا يفطن البعض إلى أنَّ مخافة الله مـع محبته، هي محور حياة المؤمن الروحية.

فمخافة الرب هي أساس الاتضاع والتقوى والحكمة، كما تشهد آيات الكتاب:

† «رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ» (مز 111: 10)،

† «مَخَافَةُ الرَّبِّ رَأْسُ الْمَعْرِفَةِ» (أم 1: 7)،

† «بَـدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَـةُ الرَّبِّ، وَمَعْرِفَـةُ الْقُدُّوسِ فَهْمٌ» (أم 9: 10)،

† «مَخَافَةُ الرَّبِّ أَدَبُ حِكْمَةٍ، وَقَبْلَ الْكَرَامَةِ التَّوَاضُعُ» (أم 15: 33)،

† «مَخَافَةُ الرَّبِّ بُغْضُ الشَّرِّ» (أم 8: 13)،

† «فِي مَخَافَـةِ الرَّبِّ الْحَيَدَانُ عَـنِ الشَّرِّ» (أم 16: 6).

وتوقير الـرب والسعي لإرضائـه وراء طاعـة وصيته، ورَفْض الشر، ومخافته؛ تتناغم مع عمل نعمة الله والحياة في النور:

† «هَلُمَّ أَيُّهَا الْبَنُـونَ اسْتَمِعُوا إِلَيَّ فَأُعَلِّمَكُمْ مَخَافَةَ الرَّبِّ» (مز 34: 11)،

† «سِـيرُوا زَمَـانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ» (1بط 1: 17).

والكتاب يذكُر خوف الله كسِمَةٍ للأتقياء. وكـان الآباء والقدِّيسون يتصاغرون أمام الرب، فإبراهيم يقول«إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ» (تك 18: 27)؛ ويعقوب يقـول«صَغِيرٌ أَنَا عَنْ جَمِيعِ أَلْطَافِكَ وَجَمِيعِ الأَمَانَةِ الَّتِي صَنَعْتَ إِلَى عَبْـدِكَ» (تـك 32: 10)؛ والقديس بولس يقـول عـن نفسـه: إنـه «عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ» (رو 1: 1).

ويُسجِّل لنا الكتاب كيف يخشـع الآبـاء والقدِّيسون في محضر الرب: فيعقوب يستيقظ من نومه، بعد أن رأى الله في حُلمٍ على رأس سُلَّم مُمتد بين السماء والأرض، فيهتف«مَـا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَـا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ وَهـذَا بَـابُ السَّمَاءِ» (تك 28: 17).

وموسى ملأَته مخافة الرب عند رؤيته للعُلَّيقة المُتَّقدة بالنار التي سمع منها صوت الله حتى أنه غطَّى وجهه (خر 3: 6).

والتلاميذ الثلاثة لَمَّا سمعوا صوت الآب يُمجِّد ابنه يوم التجلِّي، «سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَخَافُوا جِدًّا» (مت 17: 6).

والقديس يـوحنا سقط على الأرض كمـيت عندمـا تواجَه مـع الربِّ في جزيـرة بطمس (رؤ 1: 17).

وعلى العكس، فـإنَّ عدم مخافة الله هي مـن صفات الأشـرار. فـالقاضي الظالم وَصَفَه الإنجيل أنه«لاَ يَخَافُ اللهَ وَلاَ يَهَابُ إِنْسَاناً» (لو 18: 2).

مخافة الله في العبادة والسلوك †

تعكس مخافـة الله تأثيرهـا على جوانب العبادة الفرديـة والجماعيـة«اعْبُـدُوا الـرَّبَّ بِخَوْفٍ» (مز 2: 11).

ففي المخدع، حيث لا يرانا أحدٌ إلاَّ الله وحده، لا مجال للادِّعاء أو الرياء، لأن «… كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا» (عب 4: 13)، وليس هناك غير الخشوع، والتوبـة الأمينة، والصِّدْق، وكَشْف المشاعر بغير حَرَجٍ.

وفي الكنيسة، بيت الله، نحـن لا نرى أحـداً غير الله، ولا نسمع إلاَّ صوته، ولا نُخاطِب أحداً غيره، ونُردِّد مـع داود«أَمَّا أَنَا فَبِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ أَدْخُلُ بَيْتَكَ. أَسْجُدُ فِي هَيْكَلِ قُدْسِـكَ بِخَوْفِـكَ» (مز 5: 7).

وعندما نقرأ الكتاب، فنحن في محضر الله ومخافته، وبعض الأتقياء لا يقرأون الكتاب إلاَّ راكعين، فهذه هي كلمة الله الجديرة بكلِّ الوقار.

ومخافة الله تُلزمنا بتنفيذ الوصية طوعـاً. وعلاقتنا بالآخرين لا تعرف غير الاستقامة بغير كـذب أو مراوغـة أو سوء قَصْد. ومخافة الله تصير سوراً يحمي كـلَّ تصرُّفاتنا من الشرير. فالحواس تنضبط، والفكر يتقدَّس، والعمل الأمين هو شهادتنا أمام العالم.

بركات مخافة الرب

يَحْفَل الكتاب بوعود الله برعاية مَن يخافونه، وحمايتهم، وانتزاع الخوف الرديء مـن قلوبهم. وهاك بعض الآيات المُختارة:

† «عَيْنُ الرَّبِّ عَلَى خَائِفِيهِ» (مز 33: 18)،

† «مَلاَكُ الرَّبِّ حَالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ، وَيُنَجِّيهِمْ» (مز 134: 7)،

† «كَمَا يَتَرَأَّفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينِ يَتَرَأَّفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ» (مز 103: 13)،

† «الـرَّبُّ لِي فَـلاَ أَخَافُ. مَـاذَا يَصْنَعُ بِي الإِنْسَانُ؟» (مز 118: 6)،

† «الرَّبُّ مُعِينٌ لِي فَلاَ أَخَافُ» (عب 13: 6)،

† «اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟… إِنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ لاَ يَخَافُ قَلْبِي. إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ فَفِي ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌ» (مز 27: 3،1)،

† «أَيْضاً إِذَا سِـرْتُ فِي وَادِي ظِـلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي» (مز 23: 4)،

† «إِنْ كَـانَ اللهُ مَعَنَـا، فَمَـنْ عَلَيْنَـا؟» (رو 8: 13).

في مخافة الرب نجاتنا مـن الموت. فالذيـن يعيشون في مخافة الرب، يتَّقونه ويتمتعون برفقته كـل الحياة، ويُتمِّمون خلاصهم، ويرثـون الحياة الأبدية.

أمَّا الذيـن يتجاسرون ولا يُبالون بخوف الله، فيتعالون ويتجبَّرون ويستبدُّون؛ هـؤلاء يسيرون في الظلام مُغمضي العينين نحو حتفهم.

وقد يحتاج الأَمر إثارة الخوف من دينونة الله في قلـوب البعض مـن اللاَّهين المُغرقـين في خطاياهم، الذين لا يعبأون بمصيرهم الأبدي، ولا يُبالون بالنُّصح والتعليم، فيصير الخوف هنا مُنقذاً لهم مـن الموت، بحسب مـا كتب مُعلِّمنا يهوذا«خَلِّصُوا الْبَعْضَ بِـالْخَوْفِ (مـن الله والمصير الأليم)، مُخْتَطِفِينَ مِنَ النَّارِ» (يه 23).

والقديس بولس يحثُّ الأسقف تيموثاوس وكل الرعاة على مواجهة الخطاة المُعاندين وتوبيخهم علناً، لكي يكون هناك خوف (مـن الله)، فيرتدع الآخـرون، ولا يجسـرون أن يُخطئـوا بغـير مُبالاة«اَلَّذِينَ يُخْطِئُونَ وَبِّخْهُمْ أَمَامَ الْجَمِيعِ، لِكَيْ يَكُونَ عِنْدَ الْبَاقِينَ خَوْفٌ» (1تي 5: 20).

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات