قضية الخطية والشر (2) – دكتور جميل نجيب سليمان

قضية الخطية والشر (2)

دكتور جميل نجيب سليمان

موقف المؤمن من الخطية والشر (1)

عناصر المقال السابق:

كيف دخلت الخطية والشر إلى العالم؟

موقف الله من الخطية والشر.

بين الناموس والنعمة.

بسقوط الإنسان وُضِعَ العالم في الشرير (1يو 5: 19)، وصـار كـل الناس، بمَـن فيهم ذُريَّة إبراهيم، عبيـداً للخطية (يو 8: 44) وأعداءً لله (رو 8: 7؛ يع 4: 4)«الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعاً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ» (رو 3: 12). والمسيح، ابن الله المُتجسِّد، صالَحنا مع الآب «بـدم صليبه» (كـو 1: 20)، وفي نفس الوقـت «اللهِ (الآب)… صَالَحَنَا لِنَفْسِـهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ» (2كـو 5: 18)، كما أنَّ المسيح صالَح «الاِثْنَيْنِ (اليهود والأُمم) فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ» (أف 2: 16).

هكذا أُتيح للإنسان أن يتحرَّر من نِير الخطية: «فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الاِبْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَاراً» (يو 8: 36)وبالمعمودية نولَد من جديد، فنُدفَن مع المسيح للموت ونقوم معه في حياةٍ جديـدة، وبالإيمان نصير أولاداً لله (رو 6: 4؛ 1يـو 3: 1)، ويصبغ الإيمان بالمسيح كـل جوانب الحياة، وبه نتبرَّر (رو 3: 28،20؛ 5: 8؛ غل 2: 16) بحسب نعمة الله المجانية (رو 3: 24؛ تي 3: 7) فنتبرَّأ من الخطية (رو 6: 7).

إيماننا المسيحي وتعييننا للحياة الأبديـة يُغيِّر نهجنا القديم ليواكب حياتنا الجديدة. والنعمة لكي تعمل وتتفاعل فينا تتطلَّب إرادة صادقة مُستجيبة مُنفتحـة على العمل الإلهي، طائعة لا تُقاوِم ولا تُعانِد ولا تراوِغ. وبهذا يتمُّ التغيير يوماً بعد يوم لتتشكَّل ”خليقة جديدة في المسيح يسوع“ (2كو 5: 17؛ غل 6: 15) تسلك في طريق القداسة كل الحياة. قبل أيام من الصليب، وقف الرب أمام أورشليم وهتف بـاكياً:«يَا أُورُشَلِيمُ يَا أُورُشَلِيمُ، يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَـعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَـعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا. هُـوَذَا بيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَاباً» (مت 23: 38،37؛ لـو 13: 35،34). فالله يُريد خلاصنا، وقد كفله لنا بدم ابنه؛ ولكن ينبغي أن يُقابل المؤمن هذه الإرادة الإلهية بمثلها كي يتمتَّع بالشركة الإلهية.

المؤمن ودعوة الخلاص

المسيح جعـل الإيمان قريـن المعمودية لنوال الخلاص (مر 6: 16). وإذا كـانت الكنيسة تُعمِّد الطفل على إيمان والديه، فمِن المُحتَّم أن يُعلِن الطفل إيمانـه عندمـا يكـبر(1). وستكون أولى متطلبات الإيمان التوبة (أو ”الميطانيا“) (2) التي تعني تحوُّل اتِّجاه المسير إلى الضدِّ وليس مجرد التغيير في نفس الاتِّجاه: «تُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ» (أع 3: 19). فعندما يتكلَّم الرسول بولس عـن توبـة السارق، يقـول: «لاَ يَسْرِقِ السَّارِقُ فِي مَـا بَعْدُ، بَـلْ بِالْحَرِيِّ يَتْعَبُ عَامِلاً الصَّالِحَ بِيَدَيْهِ، لِيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَـنْ لَهُ احْتِيَاجٌ» (أف 4: 28)، والقصد أنه ليس فقط يكفُّ عن السرقة والاغتصاب، ولكن أن يكدَّ ويعمل لكي يكون عنده ما يُقدِّمه للمُحتاجين، وهكذا يتحوَّل من الأَخـذ الحرام إلى العطاء الكريم. وسيحتاج المؤمن إلى مساندة الروح حتى لا تكون التوبـة مُمارسة جسدية شكلية، وإنما تحوُّلاً حقيقياً له ما بعده.

وهذه التوبة هي للجميع (لو 13: 5،3)، فهي ليست وقفـاً على المُجرمين الموغِلين في الشـرِّ والبعيديـن عـن حياة القداسـة، ولكنها عمـل كـل المؤمنين المُلتزمـين والأتقياء كـل الحياة. والمتدينون الشكليون هم أول مَـن يحتاجها، وإن ظنُّوا أنهم ليسوا في حاجة إلى توبة.

وقـد فَتَح الرب قلبه لعـودة الخطاة بالتوبة، وكَشَف أنه لم يأتِ إلاَّ لهم (مت 9: 13؛ مر 3: 27؛ لو 5: 32)، وأنـه «يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُـونَ» (1تي 2: 4)، وأنـه يتأنَّى علينـا: «وَهُـوَ لاَ يَشَـاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَـلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيـعُ إِلَى التَّوْبَـةِ» (2بط 3: 9). ويحتفـي الكتاب بتوبة عدد من هؤلاء الخطاة الكبار بدعوة الرب مثل لاوي (مت 9؛ مـر 2؛ لو 5)، وزكَّا رئيس العشَّارين (لو 19)؛ والمرأة الخاطئة (لو 7)، والابن الضال (لو 15)؛ والسامرية (يو 4)؛ والمرأة التي أُمسِكَت في الزنا (يـو 8)؛ الذين تحوَّلـوا في لقاء واحد إلى الضدِّ، لكي لا يتردَّد أحدٌ مهما كـان تغرُّبه من الاستجابة لنداء الرب للخلاص والحياة.

ربما لا يختبر الكثيرون، مِمَّـن عاشـوا منذ طفولتهم وسط عائلة تقيَّة قادتهم كل حياتهم في طريـق القداسة، مثل هـذا التغيير الحاد بتوبـة فاصلة بين حياتـين متضادتين؛ ولكـن يخوضها بالتأكيد مـن تنكَّبوا الطريـق وعاشـوا طياشـة المراهقة والصُّحبة السيئة والخبرات الرديئة التي ربما استمرَّت طويـلاً، فعندمـا تفتقدهـم النعمة ويُدركون بؤس حالهم تكـون توبتهم نقطة تحوُّل حاسمة بـين عهدَيْـن، حتـى ليذكـروا اليـوم والملابسات التي جعلتهم يتواجهـون لأول مـرَّة أمام تعاستهم وسـوء مآلهم، فألقوا بأحمالهم عند أقـدام الرب وبـدأوا حياتهم الجديـدة في النور. وسيكون أبعد ما يكون عن الحقِّ اعتبار غيرهم مِمَّن لم يمرُّوا في حياتهم بمثل هـذا الاختبار، ولكنهم يعيشون حياة مُقدَّسة، بأنهم لم يخلصوا بعد كما يدَّعي البعض.

على أنَّ التوبة، سواء كانت هادئة أم عاصفة، فهي لا ولـن تتوقَّف. فصـار الطريـق يُلـوَّث بالأقدام، وصراعات الخطية تترك آثارها، ولابد من الاغتسال لتصحيح المسار على مدى الأيام.

موت عن الخطية

بالتوبـة الحاسمة والمُمتدَّة كـل الأيـام يبدأ المؤمن موقفاً صريحاً ضد الخطية، مُنحازاً فيـه إلى البرِّ ووصية الله، آخذاً نفسه بالشدَّة، بما يُعبِّر عـن حقيقة ما صار إليه، كما تُشير آيات الكتاب التاليـة: «إِنْ أَرَادَ أَحَـدٌ أَنْ يَـأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي، فَـإنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَـهُ (أي يعفيها مـن التبعات) يُهْلِكُهَا، وَمَـنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ (أي يرفض ميولها الشريرة) مِـنْ أَجْلِي (ومـن أجـل الإنجيل) يَجِدُهَا (فهو يُخلِّصها)» (مت 16: 25،24؛ مـر 8: 35؛ لو 9: 24،23)؛ «مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ (أي يستجيب إلى رغباتها) يُهْلِكُهَا (أي يقودهـا إلى الهلاك)، وَمَنْ يُبْغِضُ نَفْسَـهُ فِي هـذَا الْعَالَمِ يَحْفَظُهَا إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ» (يو 12: 25)؛ «لأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَـةُ لِجَمِيعِ النَّاسِ، مُعَلِّمَةً إِيَّانَـا أَنْ نُنْكِرَ الْفُجُـورَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَالَمِيَّةَ، وَنَعِيشَ بِالتَّعَقُّـلِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فِي الْعَالَـمِ الْحَاضِـرِ، مُنْتَظِرِيـنَ الرَّجَـاءَ الْمُبَـارَكَ وَظُهُـورَ مَجْـدِ اللهِ الْعَظِيـمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُـوعَ الْمَسِيحِ» (تي 2: 11-13)؛ «احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتاً عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلكِنْ أَحْيَاءً للهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. إِذاً لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ لِكَيْ تُطِيعُوهَا فِي شَهَوَاتِهِ، وَلاَ تَقَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ آلاَتِ إِثْمٍ لِلْخَطِيَّةِ، بَـلْ قَدِّمُوا ذَوَاتِكُمْ للهِ كَأَحْيَاءٍ مِـنَ الأَمْوَاتِ وَأَعْضَاءَكُمْ آلاَتِ بِـرٍّ للهِ» (رو 6: 11-13)؛ «أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُفْسِـدُ هَيْكَـلَ اللهِ فَسَيُفْسِدُهُ اللهُ» (1كـو 3: 17،16)؛ «نَحْنُ الَّذِينَ مُتْنَا عَـنِ الْخَطِيَّةِ، كَيْفَ نَعِيشُ بَعْـدُ فِيهَـا؟» (رو 6: 2)؛ «الَّذِيـنَ هُمْ لِلْمَسِـيحِ قَـدْ صَلَبُـوا الْجَسَـدَ مَـعَ الأَهْـوَاءِ وَالشَّهَـوَاتِ» (غـل 5: 24)؛ «لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ» (عب 12: 4).

ويقتضي الأمر أن يظل المؤمن الثابت ساهراً مُجاهداً بغير تراجُـع أو مُهادنة لئلا يأخـذ أحدٌ إكليله، وألاَّ يقف في مُفترق الطُّـرُق، ولا يجمع بين النور والظلمة: «جَاهِدْ جِهَادَ الإِيمَانِ الْحَسَنَ، وَأَمْسِكْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّـةِ الَّتِي إِلَيْهَا دُعِيتَ أَيْضاً» (1تـي 6: 12)؛ «اشْـتَرِكْ أَنْـتَ فِي احْتِمَـالِ الْمَشَقَّاتِ كَجُنْـدِيٍّ صَالِحٍ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ» (2تي 2: 3)؛ «كَأَحْـرَارٍ، وَلَيْسَ كَالَّذِينَ الْحُرِّيَّةُ عِنْدَهُمْ سُتْرَةٌ لِلْشَّـرِّ، بَـلْ كَعَبِيـدِ اللهِ» (1بط 2: 16)؛ «قَوِّمُـوا الأَيَـادِيَ الْمُسْتَرْخِيَةَ وَالرُّكَبَ الْمُخَلَّعَةَ، وَاصْنَعُوا لأَرْجُلِكُمْ مَسَالِكَ مُسْتَقِيمَةً» (عـب 12: 13،12)؛«حَتَّى مَتَى تَعْرُجُـونَ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْنِ؟» (1مل 18: 21)؛ «لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّـهُ أَيَّةُ خِلْطَـةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْـمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟» (2كو 6: 14).

حياة بالروح

ويتكامل مـع رفضنا الحاسـم للخطية، بمعونـة النعمة، أن نسلك بالروح، أي أن نُسلِّم الإرادة لقيادة الروح، فنميل إلى القداسة ولا يبقى للشرِّ مكانٌ. وكلَّما اقتربنا أكثر من الله وعشنا في النور وخضعنا لعمل الروح والتزمنا بالتوبـة؛ كلَّما تراجعت ضغـوط الخطية، وكلَّما حقَّقنا الغلبـة في التجارب. لقـد خرج المؤمن مـن عباءة العالم ورئيسه إبليس، ويحيا الآن للمسيح وفي المسيح وبالمسيح الذي يملك عليه، مُتتبِّعاً خُطاه: «وَهُـوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَـاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ» (2كو 5: 15)؛ «تَارِكاً لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ» (1بط 2: 21)؛ «نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَـاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً قِدِّيسِينَ فِي كُـلِّ سِيرَةٍ» (1بط 1: 15)؛ «إِنْ كَـانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ عَلَيْنَا؟ اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضاً مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟» (رو 8: 32،31)؛«اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُـوا شَهْوَةَ الْجَسَـدِ… إِنْ كُنَّا نَعِيشُ بِـالرُّوحِ، فَلْنَسْلُكْ أَيْضاً بِحَسَـبِ الرُّوحِ» (غـل 5: 25،16)؛ «وَلكِـنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُـوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ… إِنْ كُنْتُمْ بِـالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَـدِ فَسَتَحْيَوْنَ» (رو 8: 13،6)؛ «مَـعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَـا، بَـلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ» (غل 2: 20)؛ «اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيعِ، وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ» (عب 12: 14).

ومـن ناحية أخرى، فالحياة في النور تكتسح الظلام وتكشف الخطايا المخبوءة وتُحرِّض على التخلُّص منها. والروح مـن جانبه ينخس القلب (أع 2: 37) و«يُنْشِئُ تَوْبَـةً لِخَلاَصٍ بِلاَ نَدَامَةٍ» (2كو 7: 10). وبحسب الكتاب، فالخلاص ليس حَدَثـاً مؤقتاً يتمُّ وينتهي الأمـر، وإنما هو حياة بـأكملها (في 2: 12). ولحيـاة الخلاص هـذه التزامـاتها، كما أنَّ للنعمـة مصادرها وثمارها ومـواهبها – كما سنورد لاحقاً – والتي تُسانـد وتُبارِك وتكمل في الضعف (2كو 12: 9).

موقف المؤمن من إبليس

إلى نهاية الأيـام، يظل إبليس خصماً للمؤمن و«كَأَسَـدٍ زَائِـرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِساً مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ» (1بط 5: 8). ولكننا لسنا وحدنا، فالرب دانه (يو 16: 11) وقيَّد سلطانه. والمؤمن عند معموديته يجحد الشيطان، وإن كـان طفلاً فوالداه يجحدان الشيطان عنه ساعة معموديته؛ ولكن عليه، عندما يبلغ الحلم، أن يجحد الشيطان بنفسه عند إعـلان إيمانه أمام الكنيسة. وعلى المؤمن ألاَّ يخشى بأس إبليس بل يُقاومـه غير هيَّاب، راسخاً في الإيمان (1بط 5: 9)، ومكتوبٌ: «قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ» (يع 4: 7). فإبليس ليس نـدّاً لله، إنـه مخلوق مُخادِع مُضلِّل (يو 8: 44). وهو مُراوِغ (2كو 11: 14).

نحن نرفع مـن قَدْر إبليس عندما يُضخِّم مـن دوره، ولكـن مـن الغفلة أيضاً أن نتجاهله أو أن نستهين بـه، بـل علينا أن نكون ساهرين متأهِّبين. ولنحترس من خيانة الذات عدونا المُستتر المُتحالف مع إبليس والعالم، فإنَّ كثيراً من التجارب يسقط فيها الإنسان «إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِـنْ شَهْوَتِهِ» (يع 1: 14)، ولنثق في قول الكتاب: إنَّ «اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضاً الْمَنْفَذَ لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا» (1كو 10: 13). والذيـن يدخلون التجارب مُجرَّدين من أسلحتهم سينهزمون، كما يقـول بولس الرسول في (أف 6: 10-18)(يتبع)

دكتور جميل نجيب سليمان

———————————

(1) حتى بضعة قرون خَلَت، كان مـن تقاليد كنيستنا الاحتفال بإعلان الفتيان والفتيات الذين اعتمدوا في طفولتهم على إيمان والديهم، بعد انتظامهم في دورة لدراسة عقائد الكنيسة؛ لكي يتحمَّلوا هم أيضاً التزامات تبعيتهم للمسيح كل أيام الحياة بمعونة النعمة. وهذا التقليد سارٍ إلى اليوم في بعض الكنائس الأخرى. ويـاليته يعود إلى كنيستنا ليُضفي الجديَّة على حياة المؤمنين (غل 4: 7).
(2) كلمة ”ميطانيا“ اليونانية metanoia مـن شقَّين: ”ميطا“ meta وتعني ”ما وراء أو ما بعد“، و”نوس“ noos بمعنى العقل، أي ”تغيير الذهن والقلب والاتِّجاه والمفاهيم“، وليس فقط مجرُّد التأسُّف والرجوع كما تعني كلمة ”توبة“ العربية، وrepentance الإنجليزية.

——————–

إلى الجزء الأول من ..

قضية الخطية والشر

دكتور جميل نجيب سليمان

↓↓ أضغط على الصورة ↓↓

قضية الخطية والشر (1) – دكتور جميل نجيب سليمان

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات