المسيح الناسك _ الأب متى المسكين

305069_379077678830878_1970012016_n - Kopia (2)تعاليم المسيح العملية من جهة النسك:
لم يعطِ المسيح تعاليم نسكية مفصَّلة أو محددة, ولكنه مارس العمل النسكي بصورة نموذجية لكي يرتفع بالنسك إلى مستوى صميم الحياة الجديدة للإنسان الجديد:

السجود:
فالسجود مارسه وكانت قطرات العرق تتصبَّب من جبينه كقطرات دم, وهو الذي كشف عن نوع السجود للإنسان الروحاني الجديد قائلاً:
وَلكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ، لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ.
 اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا. (يو 4: 23,24)

الصوم:
والصوم مارسه المسيح على أقصى مستوى, أربعين يوماً لم يأكل. ولكن الذي يهمنا جداً في هذا الصوم أنه جاء بعد أن اعتمد وحلَّ عليه الروح من السماء, والآب ناداه:

أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ (لو 22:3). فكان صوم المسيح بعد مسحته بالروح على الأردن ونتيجة لأعتراف الآب ببنوته, وليس وسيلة لنوال رضى الله.

فالنسك والصوم بهذا الاعتبار يكونان ثمرة من ثمرات الروح وتحقيقاً لحالة استعلان بُنوَّته لله. أى بصريح العبارة, لم يكن صوم المسيح لضبط الجسد, بل لأستعلان انضباطه. وهكذا ينبغي أن يكون شأنه لدى الروحانيين. وبهذا المعنى يكون الصوم على مستوى ذبيحة حب مُقدَّمة لله واعتراف بفضله, فيأتي الأنضباط للجسد كهبة وفضيلة مُهداة من الله لترفع عن الإنسان خطية الأعتداد بالذات والبر الذاتي والاعتماد على الجسد.

السهر في الصلاة:
وقد أهتم الإنجيل جداً أن يعطينا صورة حَّية لممارسة المسيح السهر طوال الليل وهو في الجبال وحده:
+ لوقا 13:6
وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ دَعَا تَلاَمِيذَهُ، وَاخْتَارَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِينَ سَمَّاهُمْ أَيْضًا «رُسُلاً»:

+ مرقس 35:1
وَفِي الصُّبْحِ بَاكِرًا جِدًّا قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ، وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ.

+ متى 23:14
وَبَعْدَمَا صَرَفَ الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ مُنْفَرِدًا لِيُصَلِّيَ. وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ كَانَ هُنَاكَ وَحْدَهُ.

+ متى 39:26
ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي

والمسيح لم يكن بحاجة إلى أن يمضي إلى الجبال وحده ويبيت هناك ويمضي الليل كله في الصلاة, ولكنه اهتم واعتنى جداً أن يغرس حب السهر والقدرة على الصلاة طوال الليل في لحم الإنسان الجديد ودمه. وهكذا استلمنا بروح القيامة الإنسان الجديد القادر أن يُحاكي نموذجه الأول والأعظم.

وأضاف المسيح إلى خبرته هذه التي قدمها لنا, وصيته أيضاً على نفس المستوى:
+ متى 41:26
اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ.

+ مرقس 33:13
اِسْهَرُوا وَصَلُّوا، لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَكُونُ الْوَقْتُ.

+ مرقس 37:13
وَمَا أَقُولُهُ لَكُمْ أَقُولُهُ لِلْجَمِيعِ: اسْهَرُوا.

+ لوقا 1:18
وَقَالَ لَهُمْ أَيْضًا مَثَلاً فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ.
————————
كتاب الإنسان والخطية _ الأب متى المسكين ص 16 , 17

————————–

هذه كانت رسالة أبونا القديس متى المسكين لعصر الكسل والسرعة والإرتخاء, والذي -وللأسف- قد أرتمى عصرنا في أحضان حلو الكلام عن الإيمان, ووهم فلسفة كلام اللاهوت الخادعة, ورجاء المستحيل الذي لخداع الأحلام, تاركاً الشركة الجماعية الفعلية التي للحياة الحقيقية المعلنة لنا في ليتورجية الكنيسة, بتجديدنا بشركة وسكنىَ الروح القدس فينا بالمعمودية, وفاعلية تجديد الإرادة بالتناول من جسد المسيح ودمه, الذي هو القادر الوحيد أن يهب لنا مجد ما قد عاشه ومارسه المسيح, وكما أراده هو لنا أيضاً له المجد.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات