كيف نبني أنفسنا على الإيمان الأقدس (3) _ الأب متى المسكين

ثانياً: مدى صلة المؤمن بالكنيسة:

قبل أن أتكلَّم عن الإيمان الشخصي يلزم بالضرورة القصوى أن يدرس المؤمن دراسة واعية مفردات ومقولات الإيمان اللاهوتي الكنسي العام ويتفهَّمه ويستوعبه استيعاب الفكر المنفتح والقلب المستوعب دون أي مناقشة؛ فهي الثوابت اللاهوتية الحياتية التي تهب الإنسان استنارة رؤيوية، تماماً كإنسان كان في عتمة الليل وأشرقت عليه شمس البر لتضيء له سماء.

الروح فيُدرك فيها الله الآب الذاتي أبا الخليقة كلها مما في السماء والأرض والبحر وكل ما فيها، والذي منه تُدعى كل أُبوَّة في السماء والأرض، وابنه يسوع المسيح الكلمة الذاتي الأزلي الخالد الذي منه وفيه تُدعى كل بنوَّة في السماء والأرض، الذي به خلق الآب كل شيء وبدونه لم يكن شيء مما كان، وفيه وبه كانت الحياة. والحياة في طبيعتها كانت هي نور الإنسان، سواء الحياة الروحية المدعوة بالأبدية أي الحياة الدائمة التي فيها قوام اللاهوت وكل ما يتصل به، أو الحياة الأرضية وكل ما هو حيٌّ فيها؛ والروح القدس، الأقنوم الذاتي الثالث في الله الأزلي الذاتي. هذه الأقانيم الثلاثة هي للإله الواحد، ذات واحدة وحيدة: آب وابن وروح قدس، كل أقنوم يعمل في الله وبالله في وحدة الفكر والمشيئة والقول والعمل لخلقة العالم والإنسان، وتكميل الخليقة والانتقال بها من تراب المادة الزمنية الأولية على الأرض التي خُلقت منها زمنياً، إلى خليقة جديدة بالروح الأبدية التي خُلقت لها الخليقة لتصير وتبقى روحية في السماء.

وقد اضطلع الابن بمشورة الآب الأزلية أن يقوم بهذه النقلة العُظمى للخليقة كلها من تراب الأرض إلى سماء الخلود لحساب الآب، فكان تجسُّد الابن في هيئة إنسان ليجمع في نفسه وبقوة لاهوته كل بني الإنسان، وبالتالي الخليقة الترابية كلها: »فإنه فيه خُلِق الكل: ما في السموات وما على الأرض، ما يُرَى وما لا يُرَى، سواءٌ كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خُلِق. الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل. وهو رأس الجسد: الكنيسة. الذي هو البداءة، بِكْرٌ من الأموات، لكي يكون هو مُتقدِّماً في كل شيء. لأنه فيه سُرَّ أن يَحِلَّ كل الملء، وأن يُصالح به الكل لنفسه، عاملاً الصلح بدم صليبه، بواسطته، سواءٌ كان ما على الأرض، أم ما في السموات« (كو 16:1-20). فكانت فدية العالم المخلوق جميعاً بصليب المسيح حسب قول الرب يسوع: »لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل مَنْ يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية.« (يو 16:3)

فدم المسيح المسفوك على الصليب قد غسل قذر الإنسان وكل نقائصه التي تحرمه من الانتقال إلى الروح، كما غسل تراب الأرض وكل ما خُلِق منها غسيل الحياة للموت. فالمادة ميِّتة أيًّا كانت، سواء في الإنسان أو في العالم. والحياة الأبدية الإلهية في دم المسيح قد غسلت موت الإنسان والعالم ورفعت عنه كل نقائصه لترفعه للحياة الروحية الجديدة: سماء جديدة روحية وأرض جديدة روحية وإنسان جديد روحي، عالم جديد روحي يليق بالحياة مع الله وملائكته المقدَّسين.

هذه الجعالة (الجزاء) يشرحها الإنجيل بالتفصيل، وتُقنِّنها المجامع المسكونية، ويفسِّرها الآباء الأوائل القدِّيسون. والكنيسة قد اختزنت هذا كله في تقليدها الذي استلمته من جيل إلى جيل لتسقيه لأولادها ليصيروا بني الملكوت. وهذا أتركه الآن للانتقال إلى الإيمان الخاص الفردي الذي نحيا بمقتضاه.
والآن يتحتَّم عليك أن تعرف: ما هي الكنيسة روحياً؟ فهي بيت الله: «بيتي بيت الصلاة يُدعى لكل الشعوب» (إش 7:56). هي ملكوت الله على الأرض، هي جسد المسيح السرِّي، هي عروس المسيح التي من لحمه وعظامه، هي المسيح وهي القديسون جميعاً، وهي أنت وأنا. فالكنيسة تجمع جميع أهل بيت الله، وموطنها الحقيقي هو في السماء، وهي هنا متغربة على الأرض، ولكن سوف تُخطف وتوجد فوق يوماً ما.

فإنْ كنتَ فيها ابناً لها ومُحِباً لترابها وحجارتها وعريسها، فأنت ابن أورشليم السمائية عروس المسيح التي ستتجلَّى يوم ظهور المسيح فيها.
مولد الكنيسة كان يوم أن وضعت العذراء طفلها في مغارة بيت لحم، وصارت مع الأيام والسنين جبلاً يملأ الأرض (دا 35:2) ومرتفعاً حتى أعلى السموات. يقول عنها بولس الرسول في رسالة أفسس أنها: «ملء الذي يملأ الكل في الكل» (أف 23:1)، لأن رأسها المسيح وجسدها جسد المسيح، وملائكة ورؤساء ملائكة تشتهي أن تطَّلع على أسرارها ولكنها قد حُفظت لك.

فسرُّ التناول فيها أي الإفخارستيا، أو سر المعمودية الذي عَبَرْته وأنت طفل هي أسرارك الخاصة وفيها ملء المسيح، تخدمها الملائكة ولكن تتناولها أنت! تأكل جسد المسيح وتشرب دمه من كأس الخلاص، فتثبت في المسيح ويصير المسيح فيك وأنت فيه، والملائكة تقف تخدم العتيدين أن ينالوا سر الخلاص!

أما المعمودية فهي ثوب البر بالإيمان، والإفخارستيا درع الحق للخلاص، والقداس في الكنيسة احتفال مقدَّس سماوي تخدمه الملائكة، لأن المسيح فيه يكون واقفاً على المذبح يوزِّع جسده ودمه بيديه، وأنت تدور حول المذبح كعروس تُزف للمسيح ليصبغك بالدم عربون فداء أبدي لنوال شركة حياة أبدية مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح. هذا الاحتفال هو سَبْق تذوُّق مسرَّات الملكوت وأعياده.

في الكنيسة تسمع الكلمة كوعظ، والكلمة محسوبة في اللاهوت خبراً إلهياً إذا استقر في القلب يكون هو مادة الإيمان لأن الإيمان بالخبر والخبر بكلمة الله (رو 17:10). فأنت بالوعظ الدائم تُبنى على الإيمان الأقدس والكلمة تغذيك وتطعمك بطعام الحق فتحيا فيما لله. والكلمة بحسب الإنجيل ووعد الله تُؤكل فتغذِّي العقل الروحي، فيصير للإنسان بالكلمة والإيمان بالحق انفتاح للوعي الروحي، والوعي الروحي هو سر فهم كلام الله والإنجيل: »حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب« (لو 45:24)

وكلام الإنجيل هو ثدي السماء، أسماه القديس بطرس: »اللبن العقلي العديم الغش« (1بط 2:2). هذا الكلام هو من بدائع قول الإنجيل: »افرحوا مع أورشليم (الكنيسة) وابتهجوا معها يا جميع مُحبيها. افرحوا معها فرحاً يا جميع النائحين عليها (على حال الكنيسة اليوم)، لكي ترضعوا وتشبعوا من ثدي تعزياتها. لكي تعصروا وتتلذَّذوا من دِرَّة (ضرع) مجدها.« (إش 10:66و11)

اسمع يا مَنْ صرتَ ابناً لله حسب مسرَّة الآب، أنت مفديٌّ بالنعمة وابن الخلاص، إذا لم تكن بعد قد نَقَشْتَ اسمك على حجارة أساسها وأعمدتها السبعة، لتكون حجراً حيًّا من أحجار الكنيسة، فأنت متغرِّب عن السماء ومحسوب خارج الأسوار. فأنت مدعو اليوم لتنقش اسمك على حجارة أساساتها، لا يحزنك رَدَاءة سُمعتها ولا يضلُّك سوء معاملتها فهي »سوداء وجميلة« (نش 5:1). العدو جاء في ليل الزمان وزرع فيها زواناً، فما لنا والزوان. فحبَّة الحنطة وقعتْ فيها وماتت. والآن كلها سنابل نعمة وطحين مجد، وخبزها كله خبز وجوه مُقدَّم لله، لا يأكله إلاَّ المقدَّسون. فاخطف نصيبك منها، ودَعْ عنك الزوان إلى وقت الحصاد. اشبعْ من قمحها وطحينها، واشرب ملء روحك من ماء الحياة فيها. فأنت أنت مدعو ليخرج من بطنك أنهار ماء حيّ تسقي العطشانين. ألم يَقُل المسيح إن ملكوت السموات يُغتصَب والغاصبون يختطفونه، ومِمَّنْ يختطفونه؟ أليس من الأعداء الذين يمنعون الداخلين يدخلون. قُمْ اسْعَ وخُذْ نصيبك وثبِّت أقدامك واحجز دورك. فالكنيسة لن تجري وراءك، إجري أنت واغتصب ما لك فيها لئلا يضيع عليك.

عليك أن تتحايل بكل وسيلة وتصاغُر قلب وانسحاق نفس أن تسمع بأُذنك من فم الكاهن: “مغفورة لك خطاياك، لأن ما يقوله الكاهن تُردِّده السماء. هذا ما قصده المسيح من إعطاء الحلّ والربط للرسل والأساقفة والكهنة، وإنْ كان ما يحلُّونه ويغفرونه على الأرض يكون محلولاً ومغفوراً في السماء، فذلك حتى يسمع الخاطئ بأُذنيه أن حلَّ وغفران خطاياه قد تسجَّل له في السماء ومن فم الله!

شروط أخذ الاعتراف:

وهنا يلزم أن يُدرِك الكاهن أنَّ أخذ الاعتراف حسب الإيمان الأرثوذكسي الصحيح، أي حسب الإنجيل والآباء والتقليد؛ هو بأن يسمع الكاهن الخطايا فقط ويُعطي الحلّ والغفران مباشرة، ولا يتدخل في حياة المعترِف سواء كان رجلاً أو امرأة بأي حالٍ من الأحوال، ولا يسأل كيف ومتى ولماذا وما بعد ذلك! وإلاَّ يكون قد تعدَّى وظيفته ككاهن ودخل في وظيفة المحلل النفساني وأصول علم النفس التي لا يقدر عليها حتى العالِم النفساني. الكاهن يسمع الخطايا فقط وكأنه بِسَمْعه للخطايا يبلِّغها للمسيح في السماء، وبقوله: “الله يحالَّك و مغفورة لك خطاياك، تكون قد بَلَغتْ أسماع المسيح وتمَّ الحلّ والغفران. وأي خروج عن هذا يُحسب ضد أخلاق الكاهن كمَنْ يجري وراء سماع الخطايا وما خفي وراءها. وبسبب خروج بعض الكهنة عن أمانة تأدية أخذ الاعترافات وإفشاء أسرارها، توقَّف سر الاعتراف في الكنيسة القبطية لعدة قرون، وبدأ مرة أخرى في بداية القرن الثالث عشر بعد توقُّفه ربما لسبعة قرون أو أكثر. ويدلُّنا كتاب: “مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة لكاهن الكنيسة المعلَّقة ابن كبر، الذي سجَّل فيه أسرار الكنيسة الكائنة في الكنيسة وقتئذ، أي في القرن الثاني عشر؛ أنه لم يُذكر ضمن الأسرار سر الاعتراف، مما يدلُّنا أنه قد استؤنف بعد هذا التاريخ.
والكاهن لا يُعلِّق على الخطايا بعد سماعها ومغفرتها إلاَّ بقول المسيح: “لا تخطئ أيضاً. فليس هذا مجال الوعظ والإرشاد. فاعتراف الخطايا رهيب، إذ ينقل من الدينونة إلى الحياة.

——————————
مقتطفات من كتاب:
كيف نبني أنفسنا على الإيمان الأقدس” الأب متى المسكين,
توضح ثمار الروح كما كانت فى حياة ابينا القديس.

لمتابعة هذا الكتاب الهام في بناء نفوسنا

من بدايته _ الجزء الأول

↓↓ أضغط على الصورة ↓↓

كيف نبني أنفسنا على الإيمان الأقدس (1) _ الأب متى المسكين

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات