حياة الإيمان والتمسُّك في حياة القديس أثناسيوس الرسولي (2)

حياة الإيمان والتمسُّك في حياة القديس أثناسيوس الرسولي (2)

تمسُّك أثناسيوس الرسولي بالأنجيل المقدس

saint-athanasius-02يقول غريغوريوس النزينزي في عظته عن أثناسيوس:

+ [إنه ظل يهِذّ في كافة أسفار العهد القديم والعهد الجديد بعمق لم يبلغه أحد نظيره، فشبَّ غزير التأمُّل، رصين السلوك، وجمع هذا بذاك كما برباط ذهبي قلَّما استطاع أحد أن يجمع بينهما، مستخدماً السلوك في الحياة كمدخل للتأمُّل، والتأمُّل جعله ختماً على الحياة كلها.]([1])

إذن، فقد تربَّى أثناسيوس منذ شبابه المبكِّر على الهذيذ في الكتاب المقدَّس بعهديه: “بعمق لم يبلغه أحد نظيره، بل إن قراءة الكتاب المقدَّس ظلَّت هي شهوته المفضَّلة كل أيام حياته. نستنتج ذلك مما يقوله هو بنفسه في رسالته لصديقه مرسللينوس:

+ [عرفت من حامل الرسالة أنك تصرف وقتك في قراءة الكتاب المقدَّس كله ولا سيما سفر المزامير. وإني أمتدحك لأني أنا أيضاً مثلك أجد لذَّتي العظمى في قراءة المزامير بل والكتاب كله أيضاً.]([2])

فكان يعتز بهذه القراءة أفضل من أي شيء آخر:

+ [إن الكتاب المقدَّس يكفينا عوضاً عن أي شيء آخر.]([3])

+ [إن الكتب المقدَّسة الملهمة كافية لإعلان الحق.]([4])

ويقول عنه الأب بوييه:

+ [إن أثناسيوس هو الذي أمسك بدفة الكنيسة لينقذ تعليمها اللاهوتي من الانحراف وراء النظريات الفلسفية اليونانية عن اللوغس إلى الالتزام بالأمانة المطلقة للوحي الكتابي عن الله.]([5])

وفي ذلك يقول أثناسيوس نفسه:

+ [إن تعليم الحق يكون أدق ما يمكن حينما نستمده من الكتاب المقدَّس وليس من مصادر أخرى.]([6])

وكان دائماً يقرن العهد القديم بالجديد:

+ [إن العهد الجديد يقوم على العهد القديم ويشهد له. فإن كانوا يرفضون القديم فكيف يستطيعون أن يقبلوا الجديد؟ لذلك قال ربنا: «فتِّشوا الكتب لأنها هي التي تشهد لي»، فكيف يستطيعون أن يعترفوا بالرب بدون أن يفتِّشوا الكتب المكتوبة عنه؟]([7])

لذلك لم يكن أثناسيوس يكف عن أن ينصح رعيته بقراءة الكتاب المقدَّس بعهديه، ويظهر ذلك على الخصوص من رسائله الفصحية:

[إن عبيد الرب الصالحين والأمناء الذين صاروا «متعلِّمين في ملكوت السموات ويخرجون من كنوزهم جدداً وعتقاء» (مت 52: 13)، الذين يلهجون بكلام الله «حين يجلسون في البيت وحين يمشون في الطريق وحين ينامون وحين يقومون» (تث 7: 6) يصيرون ثابتين في الإيمان، فرحين في الرجاء، حارين في الروح … فبالتأمُّل في الوصية يثبتون أمام ما يقع عليهم من الضيق ويُرضون الله ويقولون بثقة: «ضيق وشدة أدركاني ولكن وصاياك هي درسي» (مز 143: 119) … إذن فتأمُّل الوصية ضروري يا أحبائي مع اللهج المستمر بالفضيلة «لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهِّباً لكل عمل صالح» (2تي 17: 3). فبهذه الأمور نربح موعد الحياة الأبدية كما كتب بولس إلى تيموثاوس داعياً التأمل رياضة روحية قائلاً: «روِّض نفسك للتقوى لأن الرياضة الجسدية نافعة لقليل، ولكن التقوى فنافعة لكل شيء إذ لها موعد الحياة الحاضرة والعتيدة» (1تي 4: 7و8).]([8])

ويعلِّق العالِم Resch على هذا النص من أثناسيوس قائلاً:

+ [إذن فالتقوى التي تشمل ممارسة جميع دروب الفضيلة يعتبرها أثناسيوس مرادفة للتأمُّل في الكتاب المقدَّس. فمن هذا يظهر أن التأمُّل ليس في رأي أثناسيوس مجرَّد دراسة فكرية نظرية ولكنه يؤول بالضرورة إلى الممارسة العملية التقوية لجميع أوجه الفضيلة]([9])

وهذا يعود بنا إلى ما سمعناه من غريغوريوس النزينزي عن منهج أثناسيوس العملي في دراسة الكتاب المقدَّس:

+ [إنه جمع التأمُّل بالسلوك كما برباط ذهبي. وهذا المنهج العملي نجده على الخصوص في تفسير أثناسيوس للمزامير وفي رسالته إلى مرسللينوس عن المزامير، وقد كتبهما ليساعد النُّسَّاك على الاستفادة العملية من تلاوة المزامير]([10])

+ [اعكف على قراءة المزامير بحكمة وسيرشدك الروح إلى فهم معانيها، وحينئذ تتمثَّل بحياة القديسين الذين كتبوا هذا السفر بإرشاد الله.]([11])

ويعلِّق العالِم Resch على هذه الرسالة إلى مارسللينوس قائلاً:

+[إنه يظهر منها أن أثناسيوس كان له الفضل الأعظم في نشر الوعي الكتابي في الأوساط الرهبانية بمصر، وأنه كان أكثر من اهتم بذلك بغيرة وبقدرة على الإقناع.]([12])

ونقدِّم في ما يلي بعض الأمثلة لتفسير أثناسيوس للمزامير:

+ تفسير مزمور 22: 70 حسب السبعينية «أُسبحك بالقيثارة يا الله»:

[إن النفس حينما لا تصنع شيئاً باطلاً وتخلو من الأحاسيس الضارة لإيمانها ولحياتها، فإنها تُدعى بحق قيثارة روحية].

ويكمِّل هذا المعنى في رسالته إلى مرسللينوس (27) قائلاً:

[إن النفس التي لها فكر المسيح بحسب قول الرسول في 1كو 16: 2 ينبغي أن تتوافق مع هذا الفكر كتوافق القيثارة مع مَنْ يحرِّك أوتارها … هكذا يجب أن يكون في القيثارة الروحية التي هي الإنسان، يجب أن تخضع الأعضاء والحواس جميعاً لفكر المسيح وتصير طيِّعة لمشيئة الله.]

+ تفسير مزمور 8: 100 حسب السبعينية «في أوقات الغدوات كنت أقتل جميع خطاة الأرض»:

[إن المزمِّر (داود) يشير بكلمة الخطاة إلى الأفكار الشريرة التي يبيدها حينما يقوم في الغدوات ليصلِّي ويحفظ فكره في حضرة الله.]

+ تفسير مزمور 96: 118 حسب السبعينية «لكل تمام رأيت منتهى أمَّا وصاياك فواسعة جدًّا» يقول إن الحياة الروحية نمو متواصل:

[حتى أن اكتمال الدرجة السابقة هو بعينه بداية للدرجة اللاحقة، فالإنسان حينما ينتهي يكون في نفس الوقت مبتدئاً بحسب قول الكتاب (سيراخ 6: 18).]

————————-

([1]) عظة 21 انظر صفحة 309.
([2]) الرسالة إلى مرسللينوس: 1.
([3]) الرسالة إلى أساقفة مصر: 4 N.P.N.F. 225 انظر أيضاً كتاب المجامع: 6 N.P.N.F. 453
([4]) ضد الوثنيين: 1 N.P.N.F. 4
ولا شك أن أثناسيوس قد تلقَّن هذا المبدأ منذ شبابه المبكِّر من معلِّمه أنطونيوس الذي يقول بالحرف الواحد: [إن الأسفار المقدَّسة كافية للتعليم.] (حياة أنطونيوس بقلم أثناسيوس 16)
([5]) Bouyer, Histoire de la Spiritualité Chrétienne, 1966, t. I, p. 498.
([6]) الدفاع عن قانون الإيمان النيقاوي 32 N.P.N.F. 172
([7]) الرسالة إلى أساقفة مصر 4 N.P.N.F 224
([8]) رسالة فصحية 6:11و7 N.P.N.F. 535
([9]) Resch, La doctrine ascétique des premiers maîtres égyptiens, 1931, p. 150.
([10]) Ibid., p. 149.
([11]) الرسالة إلى مارسللينوس: 33.
([12]) Resch, op. cit., p. 164.
من كتاب أثناسيوس الرسولي ـ الأب متى المسكين

———————-

كما يمكن العودة لبداية

حياة الإيمان والتمسُّك في حياة القديس أثناسيوس الرسولي – الجزء الأول

↓↓ أضغط على الصورة ↓↓

(1) تمسُّك أثناسيوس الرسولي بالأفخارستيا كنعمة معطاه

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات