مثل الابن الضال في أقوال آباء الكنيسة

في أمثال الرب يسوع تكثر التعاليم المُحيية، وهي تحتاج إلى قراءة متأنية للاستفادة منها. وأقوال الآباء بها الكثير من التأملات على هذه الأمثال. ومن الأمثال التي انفرد بها الإنجيل بحسب القديس لوقا مَثَل الابن الضال. والمَثَل في مجمله قاله الرب يسوع للفرِّيسيين، يدعوهم ليفرحوا بتوبة الخطاة.

اسمع ما يقوله القديس كيرلس الكبير في هذا الصدد:
[ما هو هدف المثل؟ فلنبحث عن الظروف التي أدَّت إليه حتى نفهم الحقيقة. فمن قبل ذلك بقليل تكلَّم المغبوط لوقا عن مخلِّصنا كلنا ربنا يسوع المسيح… حينما احتجَّ الكتبة والفريسيون على لطف محبة ربنا للناس. وبمكر وعدم تقوى لاموه لأنه يَقْبل ويُعلِّم الناس الخطاة. وهنا كان من الضروري أن يضع المسيح أمامهم المَثَل الحاضر.

المسيح يوضِّح بجلاء أن إله الكل يطلب الإخلاص في اتِّباع وصيته، حتى مِمَّن هو ثابت وغير متزعزع وقديس، وقد اقتنى أعلى درجة من المديح كنتيجة لسلوكه المنضبط. حينما يُدعى أحدٌ للتوبة، حتى ولو كان من أصحاب السمعة الرديئة، فينبغي أن نفرح بالأحرى وألاَّ نَدَع الانفعالات الخالية من المحبة تجاهه](1).

«إنسانٌ كان له ابنان»:

ماذا يمثِّل هذان الابنان؟ للقديس كيرلس الكبير رأي في ذلك:

[هناك رأيٌ للبعض يقول إن الابنين يُمثِّلان: الملائكة القديسين، ونحن سكان الأرض. فالابن الأكبر، الذي بَقِيَ في البيت آمناً يُمثِّل شركة الملائكة القديسين، بينما الابن الأصغر أو الضال يمثِّل الجنس البشري. والبعض الآخر يُفسِّر تفسيراً آخر فيقول: إن الابن الأكبر ذا السلوك الحسن يمثل إسرائيل حسب الجسد؛ بينما الابن الآخر، الذي اختار العيش في التمتُّع بالملذات وانتقل بعيداً عن أبيه, يمثل جماعة الأمم](2).

تَرْك الابن الأصغر لأبيه:

اعتبر الآباء أن ترك الابن الأصغر لأبيه يمثِّل ترك الإنسان لنفسه، إذا جاز هذا التعبير، فيقول القديس أمبروسيوس بهذا الصدد:

[تعلمون أن الميراث الإلهي يُعطَى لمَن يسأله. فلا ينبغي أن تُفكِّروا أن الأب كان مُخطئاً حين أعطى الابن الأصغر (النصيب) الذي يخصه. فلا يوجد عُمر يعجز عن بلوغ الملكوت، كما لا يُقاس الإيمان بعدد السنين في الإيمان. فالابن الذي طلب الميراث، بالتأكيد حَكَمَ على نفسه أنه مستحق أن يأخذ ما له. ولكن بعد أن ذهب بعيداً، فهو يمثل الذي غادر الكنيسة ثم بذَّر ميراثه. يقول الكتاب: «وبعد أيام ليست بكثيرة جمع الابن الأصغر كلَّ شيء وسافر إلى كورة بعيدة» (لو 13:15).

وماذا يكون أبعد من أن يسافر الإنسان بعيداً عن نفسه، وليس مجرد عن مكانٍ ما؟… حقاً إن من يفصل نفسه عن المسيح هو منفيٌّ بعيداً عن وطنه، لقد أصبح مواطناً للعالم. نحن لسنا غرباء ونُزلاء بل نحن «رعية مع القديسين وأهل بيت الله» (أف 19:2)؛ لأننا كنا من قبل بعيدين, ولكننا صرنا قريبين بدم المسيح (أف 13:2).

لا يصحُّ أن ننظر بازدراء للعائدين من الأرض البعيدة، لأننا نحن أيضاً كنا في أرض بعيدة، كما يُعلِّم إشعياء: «الجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور» (إش 2:9).

هناك دائرة متسعة لظلال الموت، ولكننا نعيش الآن في ظل المسيح. لهذا تقول الكنيسة: «تحت ظلِّه اشتهيتُ أن أجلس» (نش 3:2)](3).

«حدث جوع شديد في تلك الكورة» (لو 14:15):

يتابع القديس أمبروسيوس شرحه فيقول:

[لم يكن جوع بسبب صوم، ولكن جوع إلى الأعمال الصالحة والفضائل. وما أصعب هذا الجوع! حقاً إن مَن يُفارق كلمة الله فإنه يجوع، لأنه «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة من الله» (لو 4:4). فمَن يترك كن‍زاً فإنه حتماً يحتاج. ومَن يترك الحكمة فإنه حتماً يصير غبياً. ومَن يترك الفضيلة فإنه حتماً يهلك. أمرٌ طبيعي جداً أن يبدأ (الإنسان) في الاحتياج، لأنه ترك كنوز الحكمة ومعرفة الله (كو 3:2)، وأعماق الغِنَى السماوي؛ فابتدأ يحتاج، وهكذا عانى الجوع، لأنه ليس هناك ما يُشبع الملذات الطائشة. مَن لا يعرف كيف يمتلئ من الشبع الأبدي، فإنه دائماً يُعاني من المجاعة](4).

«فمضى والتصق بواحدٍ من أهل تلك الكورة» (لو 15:15):

مَنْ يكون هذا ”الواحد“ الذي مضى إليه الابن الأصغر؟ يشرح ذلك القديس أمبروسيوس:

[كل مَن التصق بآخر فهو في فخٍّ. وهذا الواحد الذي من أهل تلك الكورة هو رئيس هذا العالم (يو 31:12؛ 30:14؛ 11:16). لقد أُرسل الابنُ الضال إلى الحقول، التي كان قد اشتراها هذا الرجل الذي عزل نفسه عن المملكة (لو 18:14). كان الابن يرعى الخنازير، تلك التي يشاء إبليس أن يدخل فيها، وهؤلاء قد طرحهم إلى بحر العالم حيث يعيشون في الفسق والفجور (انظر مت 31:8-32) … وهناك مَن يُفسِّرون الخنازير على أنها أعداد الشياطين، أما الخرنوب فيرمز إلى فقدان الفضيلة عند أدنياء الناس](5).

الاعتراف الأول:

«يا أبي أخطأتُ إلى السماء وقدَّامك»:

نعود أيضاً إلى القديس أمبروسيوس حيث يُكمِل قائلاً:

[هذا هو الاعتراف الأول أمام خالق الطبيعة، آب الرحمة، والقاضي ضد الخطية. رغم أن الله يعلم كل شيء (راجع أستير 17:4 حسب السبعينية، يـو 17:21)، فهو ينتظر كلمات اعترافك… اعترف، حتى يشفع المسيح من أجلك، الذي هو لنا شفيعٌ لدى الآب (1يو 1:2). اعترف، حتى تصلِّي الكنيسة من أجلك ويبكي الناس من أجلك. لا تخف من أن لا تنال الغفران. لقد وعد الشفيعُ بالغفران، الآب يمنح النعمة، المُدافع عنا يَعِدُ بالمصالحة مع مسرة الآب بك. آمن لأن هذه هي الحقيقة (راجع يو 6:14؛ 1يو 6:5)

عُدْ إلى رشدك لأن ذلك فضيلة. هو لديه السنَد لكي يشفع لك، وإلاَّ يكون قـد مـات عنك باطلاً (راجع غلاطية 21:2). والآب أيضاً له سند للغفران، لأن الآب يريد ما يريده الابن](6).

«لستُ مستحقاً أن أُدعى لك ابناً.

اجعلني كأحد أَجراك» (لو 19:15):

نتابع القديس أمبروسيوس في شرحه لإنجيل لوقا:

[كان الابن الضال في هذه الحالة متضعاً، وحالته المتضعة سوف ترفعه: «اجعلني كأحد أَجراك»، هناك فرق بين الأبناء والأصدقاء وبين الأَجراء والعبيد. أنت ابن بالمعمودية، وحبيب من خلال الفضيلة، وأجير من خلال العمل، ولكنك تصير عبداً من خلال الخوف. الأصدقاء يمكن أن يكونوا سابقاً من بين العبيد والأجراء، حسب المكتوب: «أنتم أحبائي إن فعلتم ما آمركم به. لا أعود أُسمِّيكم عبيداً» (يو 14:15-15)](7).

«فقام وجاء إلى أبيه. وإذ كان لم يزل بعيداً، رآه أبوه فتحنن، وركض، ووقع على عنقه، وقبَّله» (لو 20:15):

الآب هو الذي يبدأ المصالحة، وهكذا يتابع القديس أمبروسيوس فيقول:

[المسيح يختار القائمين. فقُمْ واركض إلى الكنيسة. هنا الآب والابن والروح القدس. هذا الذي يسمعك سبق أن اطَّلع على أفكارك المخفية في عقلك، فـ ”ركض“ نحوك (مِثل الأب في مَثَل الابن الضال). وحينما تكون بعيداً، يراك ويركض إليك. يرى ما في قلبك. يركض إليك لئلا يعوقك أحد، ويعانقك. إنَّ ركضه نحوك، يُعبِّر عن معرفته السابقة بك، وعن رحمته التي ظهرت في عناقه واستعلانه المحبة الأبوية. إنه يقع على عُنقك لكي يرفع الإنسان المنكسر والمثقَّل بالخطايا، ثم يُجدِّده بعد أن مال إلى الأرضيات، فيُعيده إلى السماء. المسيح يقع على عنقك لكي يُحرِّر عنقك من نير العبودية, ويضع نِيرَه الحلو على أكتافك (راجع مت 30:11)](8).

الآب يقبل الابن الضال، ويدعوه إلى العُرس الإلهي كابن:

هذه بالتأكيد مضادة فكرية! ولكن لها هدف – كما ذكرنا من قبل – وهو أن نفرح بتوبة الخطاة. يقول القديس أثناسيوس الرسولي في رسالته الفصحية السابعة:

[حينئذ يقوم ويأتي إلى أبيه، ويعترف له: «أخطأتُ إلى السماء وقدامك، ولستُ مستحقاً بعد أن أُدعى لك ابناً». حين يعترف الابن العائد، فهو بهذا يُحسب أنه مستحق أكثر مما كان يفتكر. أما أبوه فلا يأخذه كأحد الأجراء, ولا يعامله كغريب؛ بل بالعكس، فإنه يُقبِّله كابن، ويَقْبَله كإنسان كان ميتاً فعاش، ويحسبه مستحقاً للعُرْس الإلهي, ويُلْبِسه الثوب الثمين الذي كان يلبسه.

وهناك في هذا المثال، فرح وترتيل في بيت الآب. ما حدث هو نتيجة لنعمة الآب ومحبته، لأنه ليس فقط يعود بالابن من الموت إلى الحياة؛ بل يُظهِر نعمته بالروح بوضوح. ولكي يستبدل الفساد, ألبسه ثوباً عديم الفساد. ولكي يُشبِع الجائع، فإنه يذبح العجل المُسمَّن. ويوفِّر الآب له حذاءً في رجليه حتى لا يسافر بعيداً (أي إلى طريق الشر فيما بعد). وأجمل الكل أن يجعل خاتماً في يده، أي يلده جديداً في صورة مجد المسيح](9).

الابن الأكبر وأبوه:

الآباء الحاذقون في التفسير أعطونا تفسيراً مقنعاً عن موقف الابن الأكبر تجاه أبيه. أهم هؤلاء هو القديس كيرلس الكبير الذي ذكرنا رأيه من قبل، أنَّ الابن الأكبر يُمثِّل شركة الملائكة القديسين، ويُضيف:

[إن كان أحد يقول إن الابن العاقل والعفيف يرمز إلى إسرائيل حسب الجسد، فلا يمكن أن نوافق على هذا الرأي. فإنه من غير المناسب أن نقول إن شعب إسرائيل قد اختار الحياة التي بلا عيب. فخلال كل الكتاب المقدس الموحَى به، نراهم وقد سقطوا في التذمُّر وعدم الطاعة …

وإن ظن أحد أن الابن العاقل والعفيف يعني إسرائيل، فكيف يقول إسرائيل لأبيه بجسارة إنه لم يُعطِِه جِدْياً؟ وسواء قلنا جدياً أم حملاً، فإن المسيح يُفهَم على أنه الذبيحة المقدَّمة عن الخطية. وهو لم يُقدَّم كفدية عن الأمم فقط، بل وأيضاً لكي يفدي إسرائيل، الذي لأجل تكرار تعدِّيه للناموس، أتى باللوم الكثير على نفسه. يشهد بذلك بولس الحكيم قائـلاً: «يسوع أيضاً لكي يُقدِّس الشعب بدم نفسه تألم خارج الباب» (عب 12:13)](10).


(1) القديس كيرلس الكبير في تفسيره لإنجيل لوقا، عظة رقم 107.
(2) المرجع السابق.
(3) القديس أمبروسيوس، في تفسيره لإنجيل لوقا 7: 213-214.
(4) المرجع السابق، 215.
(5) المرجع السابق، 216-217.
(6) المرجع السابق، 224-225.
(7) المرجع السابق، 227.
(8) المرجع السابق، 229-230.
(9) القديس أثناسيوس الرسولي، الرسائل الفصحية 7.
(10) القديس كيرلس الكبير في تفسيره لإنجيل لوقا، عظة رقم 107.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات